أعاد التقرير السنوي للسلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية «الهابا» عن سنة 2025 النقاش حول واقع الإعلام الموريتاني إلى الواجهة، من خلال أرقام ومعطيات تستحق أكثر من مجرد القراءة السريعة.
فالتقرير، الذي سُلّم مؤخراً إلى الرئيس محمد ولد الغزواني، يرسم صورة لمشهد إعلامي يعيش تحولاً متسارعاً، في ظل تراجع الصحافة الورقية، واتساع حضور الإعلام الإلكتروني، والنمو الكبير في استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
لكن أهم ما يلفت في التقرير هو حديثه عن واقع المواقع الإلكترونية الإخبارية، التي قدر عددها بنحو 293 موقعاً في موريتانيا، مع تفاوت كبير بينها من حيث النشاط والانتظام والتنوع والالتزام بالمعايير المهنية.
وبحسب التقرير، فإن نحو 70% من هذه المواقع لا تنتج محتوى ذاتياً ومهنياً، وتعتمد بدرجة كبيرة على نسخ وإعادة نشر المواد التي تنتجها مصادر أخرى، محلية أو خارجية.
هذه النسبة تستحق التوقف، ليس بهدف إصدار حكم قاسٍ على الصحافة الإلكترونية الموريتانية، وإنما لفهم الأسباب التي أوصلت المشهد إلى هذه الصورة، والتفكير في كيفية تحويل هذا الانتشار الكمي إلى قوة إعلامية حقيقية.
فالعدد الكبير للمواقع، في حد ذاته، ليس مشكلة. بل يمكن أن يكون نقطة قوة لأي مشهد إعلامي إذا كان يعكس تعدداً حقيقياً في المصادر والآراء والتخصصات والمناطق والاهتمامات.
المشكلة تبدأ عندما تتحول كثرة المواقع إلى تكرار للمعلومة نفسها.
قد يقرأ المواطن خبراً واحداً في عشرة مواقع مختلفة، لكنه يكتشف في النهاية أن المواقع العشرة لم تضف شيئاً إلى الخبر الأصلي. وهذا هو الفرق بين تعدد المنابر وتعدد مصادر المعلومات.
ويقدم تقرير الهابا تصنيفاً واضحاً للمواقع النشطة. فهناك فئة تمثل نحو 10% من مجموع المواقع، وتنشر بمعدل يقارب عشرين مادة يومياً، يغلب عليها الإنتاج الذاتي أو إعادة الإنتاج المهني لمواد منشورة في وسائل إعلام أخرى.
ثم تأتي فئة ثانية تمثل نحو 20%، بإنتاج أقل وأصالة محتوى أدنى وانضباط مهني أقل من حيث التنوع واحترام القوالب الصحفية.
أما الفئة الثالثة، وهي الأكبر، فلا تنتج محتوى أصيلاً في الغالب، وتعتمد أساساً على نسخ ولصق ما تنشره مصادر أخرى.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من الرقم نفسه: لماذا وصل جزء كبير من الإعلام الإلكتروني إلى الاعتماد على هذا النمط؟
الجواب لا يمكن أن يكون واحداً.
هناك بالتأكيد مواقع تحتاج إلى مراجعة أدائها واحترام قواعد المهنة، وهناك حالات قد يكون فيها البحث عن السرعة والسبق سبباً في الاستسهال. لكن هناك أيضاً واقع اقتصادي وبشري لا يمكن تجاهله.
إنشاء موقع إلكتروني أصبح أمراً سهلاً، لكن بناء مؤسسة صحفية قادرة على إنتاج محتوى يومي أصيل شيء مختلف تماماً.
المؤسسة الجادة تحتاج إلى صحفيين ومحررين ومصورين ومراسلين، وتحتاج إلى مصادر موثوقة، وإلى وقت للتحقق والبحث، وإلى موارد مالية تسمح بتمويل التغطيات والتحقيقات والتنقلات، وقبل ذلك كله تحتاج إلى نموذج اقتصادي يضمن استمراريتها.
ومن دون هذه العناصر يصبح من السهل جداً أن تتحول غرفة الأخبار إلى شاشة تراقب ما تنشره المواقع الأخرى.
وهنا تتحول الصحافة تدريجياً من إنتاج المعلومة إلى إعادة تدويرها.
لكن تقرير الهابا لا يتحدث فقط عن مشكلة المواقع، بل يكشف أيضاً عن التحول الكبير الذي يعيشه الجمهور الموريتاني.
فالتقرير يشير إلى ارتفاع عدد مستخدمي الإنترنت خلال 2025 بما بين 54 و55 ألف مستخدم، فيما بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي نحو 1.87 مليون شخص مع نهاية العام.
وهذا يعني أن الجمهور الذي تبحث عنه الصحافة لم يعد ينتظر الجريدة صباحاً، بل يحمل الأخبار معه في هاتفه.
إنه جمهور أسرع، وأكثر تفاعلاً، وأقل صبراً على انتظار الخبر، لكنه في الوقت نفسه أكثر تعرضاً للإشاعة والمعلومات المضللة.
وهنا تحديداً تتضاعف مسؤولية الصحافة المهنية.
فكلما أصبح نشر المعلومة أسهل، أصبحت الحاجة إلى الصحفي الذي يتحقق منها أكبر.
وكلما أصبحت الأخبار تنتشر بسرعة، أصبحت قيمة الصحفي الذي يشرح خلفياتها وسياقها أعلى.
ومن هذه الزاوية، فإن مستقبل الصحافة الموريتانية لا ينبغي أن يكون مجرد منافسة على من ينشر الخبر أولاً، وإنما على من يستطيع أن يقدم للقارئ شيئاً لا يجده في عشرات الصفحات الأخرى.
وهنا تبرز الصحافة الاستقصائية كأحد أهم المجالات التي يمكن أن تمنح الإعلام الإلكتروني قيمة حقيقية.
فالملفات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، وقضايا المال العام، والتعليم والصحة والطاقة والبيئة، وغيرها من القضايا التي تهم المجتمع، تحتاج أحياناً إلى أكثر من خبر وتصريح.
تحتاج إلى صحفي يبحث في الوثائق، ويتتبع الأرقام، ويقارن المعلومات، ويتحدث إلى مصادر متعددة، ويمنح الأطراف المعنية حق الرد.
الصحافة الاستقصائية ليست بحثاً عن الفضائح ولا مطاردة للاتهامات، وإنما هي بحث مهني ومنظم عن الحقيقة التي لا تظهر دائماً في العناوين الأولى.
لكنها تحتاج إلى وقت وتكوين وموارد، ولذلك لا يمكن مطالبة المؤسسات الإعلامية بإنتاج تحقيقات جادة من دون مساعدتها على امتلاك الأدوات اللازمة لذلك.
والأمر نفسه ينطبق على الصحافة التحليلية والمتخصصة.
فالقارئ اليوم لا يريد فقط أن يعرف أن قراراً صدر أو اجتماعاً انعقد أو اتفاقية وقعت، بل يريد أن يفهم ماذا يعني ذلك، وما خلفياته، ومن سيتأثر به، وما الذي يمكن أن يحدث بعده.
وهنا يأتي دور التحليل الصحفي الذي يضع الحدث في سياقه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، بعيداً عن الانطباعات السريعة والمواقف الجاهزة.
كما أن الصحافة المتخصصة في الاقتصاد والطاقة والتعليم والصحة والبيئة والزراعة والمالية والتكنولوجيا والشؤون الدولية يمكن أن تمنح الإعلام الموريتاني مساحة واسعة لصناعة محتوى لا يمكن استنساخه بسهولة.
فالصحفي الذي يفهم الملف الذي يكتب عنه يستطيع أن يطرح أسئلة أفضل، ويقرأ الوثائق بصورة أعمق، ويشرح للقارئ ما وراء الأرقام والتصريحات.
وإذا كان تقرير الهابا قد كشف عن ضعف الإنتاج الذاتي في نسبة كبيرة من المواقع، فإن الرد على ذلك لا ينبغي أن يكون فقط بمطالبة المواقع بإنتاج المزيد، وإنما بمساعدتها على إنتاج الأفضل.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة والجهات المعنية بالإعلام.
زيادة الدعم الحكومي للصحافة يمكن أن تكون جزءاً مهماً من الحل، إذا ارتبطت بمعايير واضحة وشفافة، وإذا كان الهدف منها تطوير المؤسسات وليس مجرد مساعدتها على البقاء.
والدعم لا ينبغي أن يكون مالياً فقط.
هناك حاجة إلى مواكبة حقيقية للمؤسسات الإعلامية، من خلال برامج تكوين مستمرة في التحرير الرقمي، والتحقق من المعلومات، والصحافة الاستقصائية، والتحليل الصحفي، والصحافة المتخصصة، والتصوير والمونتاج، وإدارة غرف الأخبار، وأخلاقيات المهنة، والاستخدام المسؤول لأدوات الذكاء الاصطناعي.
وإذا كانت مؤسسات التكوين الموجودة حالياً لا تستطيع مواكبة هذا التحول، فقد يكون من المفيد التفكير في إنشاء معهد متخصص في الإعلام والاتصال الرقمي.
معهد لا يقتصر دوره على منح الشهادات، وإنما يتحول إلى ورشة مستمرة لتطوير مهارات الصحفيين والعاملين في المؤسسات الإعلامية، وإعادة تأهيل من يعملون في المهنة منذ سنوات، وتدريب الأجيال الجديدة على الأدوات التي تفرضها الصحافة الحديثة.
وقد يكون من المفيد أيضاً التفكير في برامج أو منح خاصة لدعم التحقيقات الاستقصائية والمشاريع الصحفية المتخصصة، لأن إنتاج محتوى أصيل يحتاج إلى موارد أكبر من مجرد إعادة نشر خبر موجود أصلاً.
وفي هذا الإطار، فإن دعم الصحافة ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره استثماراً في المجتمع، وليس مجرد دعم لمؤسسات إعلامية.
فالصحافة المهنية تساعد المواطن على فهم ما يحدث، وتساهم في كشف المعلومات المضللة، وتمنح المؤسسات الحكومية والمجتمع مساحة للحوار، وتخلق ذاكرة وطنية للأحداث والتحولات التي يعيشها البلد.
أما تراجع الصحافة الورقية الذي أشار إليه تقرير الهابا، فهو جزء من التحول نفسه.
فالتقرير يشير إلى استمرار تراجع عدد الدوريات الخاصة التي تصدر سنوياً لصالح الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي. وفي سنة 2025 تقدمت 33 دورية للاستفادة من صندوق دعم الصحافة، واستفادت 31 منها بعد استيفائها الشروط المطلوبة، ومن بينها انتظام الصدور لخمس سنوات.
إن تراجع الورق لا يعني بالضرورة تراجع الصحافة.
قد يكون العكس تماماً.
الصحافة يمكن أن تنتقل من الورق إلى الهاتف، ومن الموقع إلى المنصة، ومن النص الطويل إلى الفيديو والبودكاست والرسوم التفاعلية، لكن ما يجب ألا ينتقل معها هو ضعف المهنية.
فالوسيلة تتغير، أما جوهر الصحافة فيبقى واحداً: معلومة صحيحة، ومصدر موثوق، وتحقيق مهني، وتحليل مسؤول، واحترام لعقل القارئ.
وهنا ربما تكمن الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من تقرير الهابا.
موريتانيا لا تعاني من نقص في المنابر الإعلامية.
لديها نحو 293 موقعاً إخبارياً، وجمهور رقمي يتوسع باستمرار.
التحدي الحقيقي هو أن تتحول هذه الكثرة إلى تنوع حقيقي، وأن يتحول الانتشار إلى جودة، وأن ينتقل الإعلام من سباق نقل الأخبار إلى صناعة المعرفة.
فالموقع الذي يكتفي بنقل ما نشره الآخرون قد ينجح في زيادة عدد الزيارات، لكنه لن يبني بالضرورة ثقة طويلة الأمد.
أما المؤسسة التي تبحث عن المعلومة، وتحقق فيها، وتشرحها، وتخصص لها صحفيين، وتذهب إلى الميدان، وتمنح القارئ شيئاً لا يجده في مكان آخر، فهي التي تستطيع أن تبني لنفسها مكاناً حقيقياً في المشهد الإعلامي.
لذلك، فإن تقرير الهابا ينبغي ألا يُقرأ باعتباره مجرد قائمة أرقام أو حكماً على المواقع الإلكترونية، وإنما باعتباره فرصة لفتح نقاش وطني حول مستقبل الإعلام الموريتاني.
نقاش لا يكتفي بالسؤال: كم موقعاً لدينا؟
بل يسأل سؤالاً أهم: ماذا تنتج هذه المواقع؟
ومن يخدم إنتاجها؟
وهل يجد المواطن فيها المعلومة التي يحتاج إليها، والتحليل الذي يساعده على الفهم، والتحقيق الذي يكشف له ما لا يراه، والصحافة المتخصصة التي تمنحه معرفة حقيقية؟
إذا استطعنا الانتقال من سؤال «كم لدينا من المواقع؟» إلى سؤال «ما الذي تضيفه هذه المواقع؟»، فسنكون قد بدأنا بالفعل في بناء إعلام موريتاني جديد.
إعلام لا تقاس قوته بكثرة صفحاته، وإنما بعمق تأثيره وثقة جمهوره.
وهذا، في النهاية، هو التحدي الحقيقي الذي يضعه تقرير الهابا أمام الصحافة الموريتانية: أن تتحول من مرحلة التوسع في عدد المنابر إلى مرحلة بناء مؤسسات إعلامية قادرة على إنتاج المعلومة، وصناعة المعرفة، وكسب ثقة القارئ.
بقلم احمد محمد حماده
كاتب و محلل سياسي




