من السهل جداً في الصالونات السياسية المغلقة إطلاق الأحكام الجاهزة، وتوزيع تهم “الوساطة والمحسوبية” يميناً وشمالاً، فذلك هو السلاح الأسهل لمن عجزوا عن مجاراة التميز الميداني، لكن حين تتحدث الوقائع التاريخية، و تُستَنطقُ الأرقامُ الإدارية الصارمة، تتهافت هذه الشائعات وتتساقط كأوراق الخريف، فمن تتبع بموضوعية و إنصاف، السيرة الذاتية لوزيرة التجارة والسياحة الحالية، السيدة زينب بنت أحمدناه، لن يجد نفسه أمام مجرد كشف حساب لوظائف حكومية، بل سيحظى بوثيقة دفاع دامغة بوجه كل مشكك، قوامها صعودٌ عصامي كُتبت فصوله بالجهد والعرق والتدرج الطبيعي على مدى ثلاثة عقود.
فمن أطار حيث الرمزية التاريخية كان المنطلق العصامي، حيث حملت صُدفةُ الإختيارِ أبعاداً رمزية عميقة في تاريخ مورتانيا، نادرا ما تكررت و لا يمكن إغفالها، فحين بدأت الشابة زينب بنت أحمدناه، مسيرتها المهنية في منتصف التسعينيات من القرن العشرين كمعلمة ميدانية في أعماق البلاد بمدينة أطار، لم تكن تصنع بداية مسارها الوظيفي فحسب، بل كانت تسير بكل ثبات على خطى ابن مدينتها بوتلميت، الأرض التي اعتادت أن تُنبتَ باسقات الهمم، وحيدةً بعيدة عن ديارها و أهلها، كما يكون العظماء و من يحملون هموم الوطن دائما، على خطى أب الأمة والرئيس المؤسس المختار ولد داداه، الذي انطلق هو الآخر في رحلته لبناء الدولة وبث الوعي، من ذات التربة وفي نفس المقاطعة (أطار) كمترجم ومحامٍ و سياسي شاب يحملُ هموم شعبه.
إن هذا المنطلق الميداني الشاق، وسط طباشير الفصول الدراسية وتوجيه الأجيال الناشئة، هو الحصانة الحقيقية ضد تهم الهبوط المظلي و التسلق بالوساطة، فمن أَدارَتْ مدرسةً ابتدائية كبرى في مقاطعة شعبية صعبة كتوجنين، و أصرت في نفس الوقت و بعزم على كفاحها الأكاديمي، لنيل شهادة المتريز في القانون العام، بتقدير متميز من جامعة نواكشوط، لا يمكن لأي منصف أن يختزل مسيرتها في “بطاقة توصية” أو قرابة اجتماعية، لأن ذالك ظلمٌ و بخسٌ لحقِ سيدةٍ عصامية، صُهرت في أتون العمل الميداني الحقيقي الذي لا يعرف المجاملة.
إن هواة التشكيك و البخس – عمداً أو جهلاً – يظنون بالناس ما بأنفسهم، و أنفس من يستخدمونهم رماحا تتكسرُ نصالها، على أعراض الشرفاء من أبناء الوطن، و يجهلون أو يتجاهلون أن بنت أحمدناه لم تدخل معترك الإدارة كمستشارةٍ كبرى أو مديرة عامة بمرسوم مفاجئ، بل دخلت وزارة الداخلية واللامركزية قادمةً من مسارح التكريم و الإشادة، على ما ساهمت فيه من بناء و تكوين لأجيال مورتانيا، عبر السلم الإداري الأول، رئيسة مصلحة في الشؤون السياسية، وتدرجت بجهدها لتصبح مديرة مساعدة، وعندما انتزعت بجدارتها منصب حاكم مقاطعة تفرغ زينة عام 2007 كأول امرأة في تاريخ موريتانيا تكسر الاحتكار الذكوري لهذا المنصب، لم يكن المنصبُ تشريفاً بل كان تكليفاً أمنياً وإدارياً حارقاً، خلال أكثر فترات البلد خصوصية و اضطرابا، و نجحت تحت الشمس و بشهادة من هرم السلطة، فكان ذالك النجاح النسائي الاستثنائي، هو الذي فرض ترقيتها، لتكون من أوائل النساء اللواتي اعتليْن منصب والي ولاية، و نجحت بامتياز في إدارة دفة ولاية لبراكنة، خلال زهاء ثلاث سنوات، كانت فيها مثالا إداريا شرفَ المرأة المورتانية، و أقنع صناع القرار بقدرتها على صنع المستقبل من مطابخ القرار، كما كانت تصنعُ الأجيال من مطابخ البيوت، و بعد أن صهرتها تجارب الميدان، تم استدعائها للمركز لتدير بكفاءة و اقتدار، الإدارة العامة للشؤون السياسية والحريات العامة، هذا التدرج العمودي الصارم داخل المختبر الأمني والإداري للدولة، هو الحقُ الدامغ، و الرد الحاسم على فرية المحابات و المحسوبية.
لذاك فإن وصول بنت أحمدناه، إلى هرم القيادة الحكومية، في عهد الإنصاف و إشراك الشباب، لم يكن سوى انعكاسٍ مباشر، للثقة المطلقة والراسخة التي أولاها إياها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، و هذه الثقة الرئاسية لم تأتِ من فراغ، بل بنيت على تقييم دقيق لأدائها الإداري الصارم كأمينة عامة لوزارة الداخلية واللامركزية، وهو المنصب الفني الأكثر تعقيداً وحساسية في بنية الدولة، حيث أثبتت أنها صمام أمان قادر على ضبط التوازنات وتسيير الأزمات.
و هو ما ساهم في بلورة قناعة سامية، عند صاحب الفخامة، بجدارتها و نزاهتها، فقلدها ببصيرته و حكمته، أربعة حقائبَ وزارية متعاقبة ومحورية، (الأمانة العامة للحكومة، الوظيفة العمومية، التشغيل والتكوين المهني، وصولاً إلى وزارة التجارة والسياحة )، المنصب الذي تديره حاليا بنجاح، مما يوكد أن الرئيس يرى فيها كفاءة إدارية قادرة على إنجاز التعهدات الوطنية، وليس مجرد رقم في تشكيلة حكومية.
و على الصعيد السياسي، لم تنتظر بنت أحمدناه صكوك الغفران من أحد، بل نزلت إلى القواعد الشعبية في نواكشوط وداخل ولاية اترارزة (مقاطعة بوتلميت)، و عدة ولايات و مقاطعات وطنية أخرى، مسلحة بخبرتها السياسية و تجربتها الميدانية، طيلة خدمتها للمواطنين عن قرب، فشيدت نفوذاً سياسياً وازناً عبر تيار «واثقون» الذي ترأسه الآن، هذا التيار الذي تحول بفضل ديناميكيتها إلى رقم صعب وقوة انتخابية ضاربة، فرضت من خلاله انضباطاً حزبياً صارماً لدعم خيارات حزب الإنصاف، محققةً انتصارات انتخابية مشهودة في مقاطعات محورية كدار النعيم وتفرغ زينة، و أدارت بحنكتها حملات سياسية، داعمة لتوجهات الحزب، و طموحات فخامة رئيس الجمهورية، لن يكون آخرها إدارة الحملة النسائية، لمرشح الإجماع الوطني، رئيس الجمهورية محمد ول الغزواني.
أجزم الآن أن من يقرأ هذا المقال، متجردا من طويات السوء، و أحقاد السياسيين، سيدرك بوضوح أن محاولة النيل من مسار الوزيرة زينب بنت أحمدناه، عبر تسويق تهم التسلق بالوساطة، هي محاولة بائسة تصطدم بصخرة تاريخ ممتد لأكثر من 30 عاماً، من الخدمة الإدارية الناجحة و المتسلسلة، فكيف لا نحتفي بمسيرة تبدأ من الطباشير، وتنتهي بالحقيبة الوزارية، مرورا بالحاكم والوالي والأمين العام، عبر مسار نظيف ومتدرج، بمنطق لا محسوبية فيه و لا قفز، و لأن الحقّ أحقُ أن يُتبع، فلنقلها بكل فخر و اعتزاز : إن صعود هذه السيدة، هو انتصار للمرأة الموريتانية العصامية، وصفعة قوية في وجه ثقافة التشكيك، و تخرص صالونات البغاء السياسي.




