عندما يُطلب من المسؤول عن الاتصال في المؤسسات، سواء كانت شركات، أو قطاعات حكومية، وضع “استراتيجية اتصال” واضحة المعالم، يتحول هذا المطلب في نظره إلى تحد وعبء ثقيل ومتاهة مليئة بالمصطلحات الأكاديمية والنماذج النظرية المعقدة، انطباع يجعله يفضل دائما البقاء في مربعه الآمن والذي يحصر الاتصال في تحديث الصفحات الرسمية بأخبار وتقارير حول الأنشطة .
لكن الحقيقة أن هذا التصور مبالغ فيه خاصة من حيث التعقيد، فوضع استراتيجية اتصال فعّالة لا يستلزم بالضرورة إحاطة شاملة بنظريات الاتصال أو مهارة أكاديمية استثنائية، بقدر ما يستلزم وضوحا في التفكير، وانضباطا في طرح الأسئلة الصحيحة بالترتيب المناسب.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الخطة بقدر ما يكمن في تنفيذها والحفاظ على تماسكها مع مرور الوقت، فمن دون استراتيجية واضحة يمكن الرجوع إليها وتقييمها، تتحول جهود الاتصال إلى نشاط خاو ومن دون خيط ناظم يفسر لماذا نقوم بكل هذا، ولمن نوجهه أصلًا.
من أكثر الأخطاء شيوعا في هذا المجال هو الخلط بين “الاستراتيجية” و”التكتيك” فغالبا ما تُعرض على صناع القرار وثيقة تحمل عنوان “استراتيجية اتصال”، بينما الحقيقة أنها ليست أكثر من جرد للأنشطة كأن تشير إلى إعلام هنا، فعاليات هناك، موقع إلكتروني وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي فهو برنامج لا يخدم المؤسسة إلا من باب “الحضور الرقمي” فقط.
تكمن قوة أي إطار عملي حقيقي في بساطته، وفي قابليته للفهم من قبل الجميع، لا من المتخصصين وحدهم.، فالاستراتيجية التي لا يفهمها إلا خبير الاتصال الذي صاغها، من الصعب أن تحظى بالدعم الكافي من بقية المؤسسة لتنفيذها بفعالية، ومن هنا تنبع أهمية تنزيل استراتيجية الاتصال بأكملها في أربعة مراحل مترابطة ومتسلسلة منطقيا، بحيث يمكن لأي فرد في المؤسسة، من كبار المسؤولين إلى أصغر موظف في فريق التواصل، أن يفهم هذه المراحل ويناقشها بثقة، بل ويساهم في صياغتها وتطويرها.
هذا الفهم المشترك ليس جزئية شكلية أو هامشية يمكن الاستغناء عنها، بل هو شرط أساسي لنجاح أي استراتيجية على أرض الواقع. فمهما بلغت دقة الخطة، إلا أنها ستبقى من دون أثر حقيقي وملموس ما لم يشارك في التعليق عليها وتقييمها كل طاقم العمل، لأن الاستراتيجية التي تُفرض من أعلى دون مشاركة حقيقية من الفرق المنفذة، مصيرها غالبا أن تبقى حبيسة الأدراج.
وفيما يلي المراحل الأربعة التي يقوم عليها الاتصال المؤسسي:
المرحلة الأولى والثانية تحديد الجمهور وصياغة الرسائل:
بعد أن يحدد الجمهور وأهدافه بدقة في المرحلة الأولى، تأتي المرحلة الثانية والتي تقوم على:
ماذا نقول للجمهور؟ وهو سؤال يتضمن ثلاثة عناصر مترابطة:
- تحديد ما ينبغي قوله لكل جمهور، بلغة تناسبه ومستوى تفصيل يلائم اهتمامه.
- التأكد من أن هذا الخطاب يتناغم ويتواءم مع الاحتياجات الفعلية لهذا الجمهور، لا مع ما تتصور المؤسسة أنه يهمه.
- التفكير في كيفية دفع هذا الخطاب للجمهور إلى التصرف بطريقة تخدم أهداف المؤسسة، سواء كان ذلك عبر التبرع، أو المشاركة، أو التغطية الإعلامية، أو التأييد السياسي، أو غير ذلك من أشكال الاستجابة المرجوة.
المرحلة الثالثة: تصميم محفظة الاتصال
بعد تحديد الجماهير والرسائل، يأتي السؤال العملي الثالث: بأي أدوات وقنوات سنوصل هذه الرسائل؟ هنا يجري اختيار المنتجات والأنشطة والقنوات الاتصالية الملائمة، بحيث:
- تلائم تفضيلات كل جمهور في طريقة تلقّي المعلومة؛ فبعض الجماهير يفضل التقارير المكتوبة المفصلة، وبعضها الآخر يفضل المحتوى المرئي المختصر، وبعضها الثالث لا يتلقى المعلومة إلا عبر لقاءات مباشرة أو مؤتمرات متخصصة.
- تحقق أقصى قدر من التكامل بين القنوات المختلفة، بحيث لا يعمل الموقع الإلكتروني بمعزل عن حسابات التواصل الاجتماعي، ولا تعمل النشرة الإخبارية بمعزل عن الفعاليات الميدانية، بل تتكامل جميعها ضمن رحلة تواصلية واحدة متناسقة.
- تعيد استخدام المحتوى بكفاءة، بدل إعادة إنتاجه من الصفر في كل مرة، فتقرير واحد معمّق يمكن أن يتحول إلى سلسلة منشورات مختصرة، وإلى مادة لمؤتمر صحفي، وإلى محتوى لنشرة إخبارية، دون الحاجة إلى إعادة الكتابة الكاملة في كل مرة.
المرحلة الرابعة: آلية التحسين المستمر
الخطوة الرابعة والأخيرة، وهي التي تُغفَل غالبا رغم أهميتها البالغة، تضع إطار المتابعة والتقييم الذي يحوّل الاستراتيجية من وثيقة ثابتة إلى عملية حية متجددة، وتتضمن هذه الخطوة الإجابة على أسئلة من قبيل:
- ماذا نقيس تحديدا، ولماذا نقيس هذا بالذات دون غيره؟ فليس كل ما يمكن قياسه (كعدد المتابعين مثلًا) ذا دلالة حقيقية على تحقيق الأهداف المنشودة.
- متى تُراجَع النتائج؟ فالمراجعة الدورية المنتظمة (شهرية أو ربع سنوية مثلًا) أكثر فعالية من المراجعة العشوائية غير المجدولة.
- من المسؤول عن التصرف بناءً على هذه النتائج، وكيف يتم ذلك عمليا؟ فالقياس من دون آلية واضحة للتصرف بناء على نتائجه يبقى مجرد جمع بيانات عقيم لا يخدم تحسين الأداء الفعلي.
إن نجاعة استراتيجية الاتصال لا تُقاس أبدا بعمق أسسها النظرية بل تُقاس حصرا بمدى قابليتها للتطبيق الفعلي داخل مؤسسة حقيقية، بفريق حقيقي محدود العدد، وبموارد مالية وبشرية محدودة كذلك. فالاستراتيجية التي تتطلب فريقًا متخصصًا من عشرة خبراء لتفسيرها وتطبيقها، لا قيمة عملية لها في مؤسسة لا يتجاوز فريق اتصالها شخصًا أو شخصين.
وحين تُختزل الاستراتيجية في أربعة مراحل مترابطة ومفهومة، يتحول التخطيط الاتصالي من تمرين نظري معقد يستنزف الوقت والجهد دون طائل، إلى أداة عمل يومية عملية، يمكن لأي مؤسسة، مهما كان حجمها أو طبيعة نشاطها، أن تتبناها وتطورها تدريجيًا مع مرور الوقت واكتساب الخبرة.
إن نجاح أي استراتيجية اتصال لا يبدأ من كثرة الأنشطة المنفذة أو تنوع القنوات المستخدمة، بل يبدأ من وضوح الإجابة عن أربعة أسئلة مترابطة ومتسلسلة منطقيًا: من هو الجمهور المستهدف تحديدا، وما احتياجاته الفعلية؟ وما الرسالة التي تلائم هذا الجمهور بالذات وتدفعه إلى التصرف كما نريد؟ وما القنوات والأدوات الأنسب لإيصال هذه الرسالة إليه بكفاءة؟ وكيف نقيس أثر كل هذا، ونحسّنه باستمرار بناءً على أدلة فعلية لا على انطباعات عابرة؟
حين تتم الإجابة على هذه الأسئلة الأربعة بوضوح، وحين يشارك في صياغة الإجابات عليها كل فريق العمل لا فريق الاتصال وحده، تتحول الاستراتيجية إلى بوصلة يومية توجه عمل المؤسسة الاتصالي بأكمله، وتمنحه معنى واتساقا يتجاوز مجرد تراكم الأنشطة وهذا هو ما ينبغي أن تحققه أي استراتيجية اتصال ناجحة: أن تحوّل الجهد المبعثر إلى تقدّم حقيقي وقابل للقياس نحو تحقيق أهداف المؤسسة الكبرى.




