نواكشوط مباشر | تقرير خاص
بين التحسن الذي شهدته إجراءات تنظيم الحج في موريتانيا خلال المواسم الأخيرة، وما رافقه من رقمنة شاملة وتعزيز للشفافية، برزت مفارقة لافتة في موسم الحج 1448هـ/2027م، تتمثل في ضعف استجابة بعض المسجلين الذين أتيحت لهم فرصة أداء الفريضة، رغم الإقبال الكبير الذي شهدته مرحلة التسجيل الأولي.
فبينما نجحت وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي، ممثلة في مديرية الحج والعمرة، في تبسيط الإجراءات وإتاحتها إلكترونيا عبر تطبيق «خدماتي»، كشفت اللوائح التكميلية الصادرة خلال الأيام الأخيرة عن استمرار وجود مئات الفرص التي لم تستكمل إجراءاتها، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مدى جدية بعض المتقدمين للتسجيل، وما إذا كانت السهولة غير المسبوقة في الإجراءات قد دفعت البعض إلى دخول القرعة دون استعداد فعلي لتحمل التزامات الحج.
من الإجراءات التقليدية إلى التسجيل الرقمي
شهد تنظيم الحج في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة تطورات تدريجية، انتقلت معها إجراءات التسجيل والمتابعة من الاعتماد على الحضور المباشر والمعاملات الإدارية التقليدية إلى توسيع استخدام الخدمات الإلكترونية.
وقد برز هذا التحول خلال موسم الحج الماضي 1447هـ/2026م، الذي شهد تعزيز رقمنة الإجراءات، وربط عدد من الخدمات المرتبطة بالحج بمنصتي «خدماتي» و«هويتي»، إلى جانب تسهيل إجراءات الدفع والتأشير، وإجراء القرعة بصورة علنية عبر التلفزة الموريتانية.
أما الموسم الحالي 1448هـ/2027م، فقد شهد اعتماد التسجيل الرقمي الكامل لأول مرة عبر تطبيق «خدماتي»، في خطوة أتاحت للراغبين في أداء الفريضة تقديم طلباتهم دون الحاجة إلى التنقل إلى المكاتب الإدارية.
ويمثل هذا التحول تطورا مهما، خصوصا بالنسبة إلى سكان الولايات الداخلية الذين كانت الإجراءات التقليدية تفرض على بعضهم أعباء التنقل والمتابعة المباشرة.
كما أسهمت الرقمنة في تسهيل الوصول إلى الخدمة، وتعزيز وضوح الإجراءات وإمكانية متابعتها، بما يدعم مبدأ تكافؤ الفرص بين الراغبين في أداء الفريضة.
دور مديرية الحج والعمرة في تطوير الإجراءات
شهد تنظيم الحج في موريتانيا خلال المواسم الأخيرة تحسنا ملحوظا في الإجراءات الإدارية والرقمية، خصوصا في مجالات التسجيل والقرعة ومتابعة ملفات الحجاج.
وقد أسهمت مديرية الحج والعمرة، في مواكبة هذه التحولات وتنفيذ الإجراءات الجديدة، بما فيها اعتماد التسجيل الإلكتروني ونشر اللوائح التكميلية وتحديد الآجال بصورة واضحة.
ورغم أهمية هذا التطور، فإن الأرقام التي كشفت عنها اللوائح التكميلية تبرز الحاجة إلى مزيد من التقييم، خصوصا فيما يتعلق بجدية المسجلين وكفاءة استغلال المقاعد المتاحة.
35 ألف مسجل.. إقبال كبير يطرح سؤال الجدية
أظهرت الحصيلة الرسمية للتسجيل في موسم الحج الحالي، الذي انتهى يوم 21 أغسطس 2026، أن 37 ألفًا و409 أشخاص تقدموا بطلبات لأداء فريضة الحج، قبل أن يلغي 2354 منهم تسجيلاتهم، ليستقر العدد الفعلي عند 35 ألفًا و55 مسجلًا، من بينهم 6750 حالة مرافقة.
وتعكس هذه الأرقام حجم الإقبال على أداء الفريضة، كما تشير إلى أن سهولة التسجيل الإلكتروني أزالت كثيرًا من العوائق الإدارية التي كانت تواجه الراغبين في المشاركة في القرعة.
غير أن هذه السهولة نفسها قد تكون دفعت بعض الأشخاص إلى تسجيل أسمائهم لمجرد تجربة حظوظهم في القرعة، دون التأكد مسبقًا من استعدادهم المالي أو الصحي أو قدرتهم على استكمال الإجراءات في حال حصولهم على فرصة الحج.
وإذا كان التسجيل حقا متاحا لكل مستوف للشروط، فإن المشاركة في القرعة يفترض أن تكون مصحوبة بقدر من الجدية والاستعداد، خصوصًا أن المقاعد المتاحة محدودة مقارنة بأعداد الراغبين في أداء الفريضة.
ولا يعني ذلك أن جميع من لم يستكملوا إجراءاتهم كانوا غير جادين؛ إذ قد تطرأ ظروف مالية أو صحية أو عائلية تحول دون السفر، لكن حجم الفراغات التي كشفت عنها اللوائح التكميلية يستدعي التوقف عند هذه الظاهرة ودراسة أسبابها.
اللوائح التكميلية تكشف مفارقة الأرقام
أعلنت مديرية الحج والعمرة، يوم 21 أكتوبر الجاري، فتح التسجيل أمام المؤهلين من اللائحة التكميلية، وحددت نهاية يوم 22 أكتوبر أجلًا لاستكمال الإجراءات.
وبحسب الجدول الرسمي الأول، بلغ عدد المؤهلين من اللائحة التكميلية 1048 شخصًا، موزعين على مختلف ولايات البلاد، من بينهم 204 في نواكشوط الشمالية، و190 في نواكشوط الغربية، و138 في نواكشوط الجنوبية.
لكن الإعلان الثاني، الصادر اليوم الجمعة 23 أكتوبر، أظهر أن الأعداد المتبقية بلغت 731، أي بفارق 317 عن العدد الوارد في الإعلان السابق.
وتكشف هذه المقارنة استمرار وجود مئات الفرص التي لم تُحسم إجراءاتها خلال المهلة الأولى، رغم استدعاء المؤهلين وفق اللوائح المعلنة.
وتبرز نواكشوط الجنوبية مثالًا واضحًا على هذه المفارقة، إذ تضمنت اللائحة الأولى 138 مؤهلًا، بينما أظهر الإعلان الثاني بقاء 102، أي بفارق 36 فقط.
وفي نواكشوط الشمالية، انخفض العدد من 204 إلى 148، بفارق 56، بينما تراجع في نواكشوط الغربية من 190 إلى 137، بفارق 53.
أما في ولاية آدرار، فقد انخفض العدد من 28 إلى 8، وفي اترارزة من 89 إلى 62، وفي الحوض الشرقي من 64 إلى 58.
ورغم أن هذه الفوارق لا تعني بالضرورة أن جميع الحالات التي خرجت من الأعداد المتبقية قد استكملت التسجيل نهائيًا، نظرًا إلى وجود حالات مرافقة وإمكانية إجراء تسويات إدارية، فإنها تعكس بوضوح حجم الفراغات التي استدعت الانتقال إلى دفعة تكميلية جديدة.
وقد أعلنت المديرية فتح التسجيل أمام الدفعة الثانية حتى نهاية يوم 24 أكتوبر الجاري، مع إمكانية استدعاء أرقام إضافية في حال استمرار وجود مقاعد شاغرة، وفق الآلية المعلنة.
وتطرح هذه المعطيات سؤالًا جوهريًا: كيف يتجاوز عدد المسجلين 35 ألفًا، بينما تستمر الحاجة إلى استدعاء دفعات تكميلية بسبب عدم استكمال الإجراءات من طرف بعض المؤهلين؟
سهولة التسجيل.. مكسب قد ترافقه طلبات غير جادة
ليس من المنطقي اعتبار سهولة التسجيل مشكلة في حد ذاتها، بل إنها من أبرز مكاسب الإصلاحات التي شهدها تنظيم الحج، إذ أتاحت الخدمة لآلاف المواطنين دون عناء التنقل أو التعقيدات الإدارية.
لكن هذه السهولة قد تكون أفرزت سلوكًا جديدًا لدى بعض المترشحين، يتمثل في التسجيل قبل حسم قرار أداء الفريضة أو التأكد من القدرة الفعلية على تحمل تكاليفها.
فالحج، بخلاف كثير من الخدمات التي يمكن طلبها إلكترونيًا، يرتبط باستطاعة مالية وبدنية، ويتطلب استعدادًا مسبقًا والتزامًا بآجال محددة.
وقد يكون بعض المسجلين قد تقدموا بطلباتهم بدافع الأمل في الفوز بالقرعة، قبل أن يواجهوا لاحقًا صعوبة في توفير التكاليف أو ترتيب أوضاعهم الشخصية.
ومن هنا، فإن التحدي لا يكمن في التضييق على الراغبين في التسجيل أو إضافة عقبات إدارية جديدة، وإنما في تعزيز وعي المترشحين بأن التسجيل ينبغي أن يعكس استعدادًا حقيقيًا لأداء الفريضة.
كما تبرز أهمية تقييم التجربة من خلال دراسة أسباب عدم استكمال الإجراءات، والتمييز بين الاعتذارات الناتجة عن ظروف طارئة، وتلك المرتبطة بالتسجيل دون استعداد مسبق.
تكاليف الحج.. عامل محتمل في تراجع الاستجابة
تمثل تكاليف الحج أحد أبرز التحديات التي تواجه الراغبين في أداء الفريضة، خاصة بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل.
وقد حُددت تكلفة الحج عبر الحصة الرسمية لموسم 1448هـ/2027م بمبلغ 274 ألفًا و836 أوقية جديدة للحاج الواحد، مقابل 263 ألفًا و858 أوقية خلال موسم 1447هـ/2026م.
وتعكس هذه الزيادة استمرار تأثير تكاليف النقل والإقامة والخدمات المرتبطة بالحج على المبلغ الإجمالي المطلوب من الحاج.
وقد تشكل القدرة على توفير هذا المبلغ خلال الفترة المحددة أحد الأسباب المحتملة لعدم استكمال بعض المؤهلين لإجراءاتهم.
فالتسجيل الإلكتروني لا يتطلب بالضرورة استعدادًا ماليًا فوريًا، بينما يصبح الالتزام الفعلي بالتكاليف ضروريًا بعد التأهل، وهو فارق قد يفسر جانبًا من التراجع بين مرحلتي التسجيل الأولي واستكمال الإجراءات.
غير أن تحديد الوزن الحقيقي لهذا العامل يظل بحاجة إلى معطيات تفصيلية من الجهة المشرفة بشأن أسباب اعتذار المؤهلين أو تخلفهم عن التسجيل النهائي.
اتفاق لتنظيم الحج عبر القطاع الخاص
وفي سياق الإجراءات التنظيمية لموسم الحج الحالي، وقعت وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي، يوم 8 أكتوبر 2026، محضر اتفاق مع الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين، ممثلًا في الاتحادية الوطنية للحج والسياحة، يتعلق بتنظيم الحج عن طريق القطاع الخاص.
ونص الاتفاق على تحديد الحد الأدنى لتكلفة الحج عبر القطاع الخاص بمبلغ 363 ألفًا و100 أوقية جديدة، شاملًا خدمات الحج الأساسية، على أن تكون الخدمات المقدمة للحجاج بمستوى لا يقل عن الخدمات المتاحة ضمن الحصة الرسمية.
كما ألزم الاتفاق بإبرام عقود بين الحجاج والجهات المنظمة، تتضمن تفاصيل الخدمات المقدمة والتكاليف المتفق عليها، مع توضيح أي زيادة على المبلغ الأساسي بحسب نوع الخدمات ومستواها.
ويهدف هذا الإجراء إلى ضبط العلاقة بين مقدمي الخدمات والحجاج، وتعزيز وضوح الالتزامات المالية والخدمية، والحد من احتمالات المضاربة أو فرض تكاليف غير واضحة.
وحدد الاتفاق يوم 31 أكتوبر 2026 آخر أجل لاستكمال الإجراءات المتعلقة بالحج عبر القطاع الخاص، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بالمقتضيات المتفق عليها.
ويمثل هذا الاتفاق جانبًا آخر من الجهود الرامية إلى تنظيم مختلف مسارات الحج، سواء عبر الحصة الرسمية أو من خلال القطاع الخاص، بما يساعد على حماية حقوق الحجاج وتحسين مستوى الخدمات.
من شفافية القرعة إلى كفاءة استغلال المقاعد
تكشف تجربة الحج في موريتانيا خلال الموسمين الأخيرين عن تطور في مفهوم الشفافية، لم يعد مقتصرًا على إعلان أسماء الفائزين بالقرعة، بل امتد إلى تسجيل الطلبات إلكترونيًا، وتحديد الآجال، ونشر اللوائح التكميلية، وضبط تكاليف الخدمات.
وقد أسهمت هذه الإجراءات في جعل مسار الحج أكثر وضوحًا وقابلية للمتابعة، وهي خطوات تمثل تقدمًا ينبغي المحافظة عليه.
لكن الأرقام التي كشفت عنها اللوائح التكميلية تشير إلى أن المرحلة المقبلة من الإصلاح قد تحتاج إلى التركيز على جانب آخر، يتمثل في تعزيز جدية التسجيل وتحسين الاستفادة من المقاعد المتاحة.
فكل فرصة تتأخر الاستفادة منها بسبب عدم استكمال الإجراءات قد تعني انتظار مترشح آخر، وربما تضييق الوقت المتاح أمامه لتوفير التكاليف والاستعداد للسفر.
ومن شأن تكثيف التوعية قبل فتح التسجيل، وتوضيح الالتزامات المالية والصحية والإدارية، أن يساعد في تقليل الحالات التي لا تستكمل إجراءاتها، دون المساس بمبدأ سهولة التسجيل أو تكافؤ الفرص.
كما أن نشر معطيات أكثر تفصيلًا بشأن أسباب الاعتذار وعدم استكمال الإجراءات من شأنه أن يوفر أساسًا موضوعيًا لتقييم التجربة، بدل الاكتفاء بالاستنتاجات المستخلصة من أعداد اللوائح التكميلية.
بين نجاح الرقمنة وتحدي الجدية
تؤكد تجربة موسم الحج 1448هـ/2027م أن موريتانيا قطعت خطوات مهمة في تحديث إجراءات الحج، من خلال توسيع الخدمات الإلكترونية، وتعزيز شفافية القرعة، وتحسين تنظيم العلاقة بين الحجاج والجهات المشرفة على تقديم الخدمات.
غير أن هذه المكاسب كشفت في الوقت نفسه عن تحدٍّ جديد، يتمثل في الفجوة بين سهولة التسجيل الأولي والاستعداد الفعلي لاستكمال إجراءات الحج.
فالأرقام التي أظهرتها اللوائح التكميلية لا تقلل من أهمية الإصلاحات المنجزة، لكنها تنبه إلى ضرورة تطوير جوانب أخرى من المنظومة، خصوصًا ما يتعلق بالتوعية المسبقة وجدية المترشحين.
وبين الإشادة بالتحسن الذي شهده التنظيم، والتساؤل المشروع عن أسباب استمرار المقاعد الشاغرة رغم الإقبال الكبير على التسجيل، تبدو التجربة الحالية مناسبة لمراجعة الإجراءات وتطويرها على ضوء المعطيات العملية.
فنجاح تنظيم الحج لا يقاس فقط بعدد الذين تمكنوا من التسجيل بسهولة وشفافية، وإنما أيضًا بمدى قدرة المنظومة على تحويل تلك الطلبات إلى فرص فعلية يستفيد منها من تتوافر لديهم الرغبة الجادة والاستطاعة لأداء الفريضة.