ثمة تأملات نكتبها ثم نظن أننا تجاوزناها، غير أنها تظل كامنة في مكان ما من الذاكرة، تنتظر لحظة العودة إليها. وحين نقرؤها بعد أعوام، لا نعود إلى الكلمات وحدها، بل نعود إلى ذواتنا كما كانت يوم كتبناها، فنرى ما أبقاه الزمن فينا، وما غيّره من نظرتنا إلى الحياة.
هكذا عدت، بعد أربعة عشر عامًا، إلى تأملات كنت قد كتبتها عن الزواج. لم أبحث فيها عن أجوبة قديمة بقدر ما وجدتني أستعيد أسئلة لم تفقد راهنيتها: هل تغيّر الزواج منذ ذلك الحين، أم تغيّرت نظرتي إليه؟ وهل ما حسبناه يومها أزمة عابرة كان، في حقيقته، بداية تحول اجتماعي عميق لم تكن ملامحه قد اكتملت بعد؟
وهل ازدادت قدرتنا على اختيار شريك الحياة بقدر ما نمت قدرتنا على تحمّل تبعات هذا الاختيار؟ وهل قادتنا الحرية إلى علاقات أكثر نضجًا واستقرارًا، أم أنها كشفت هشاشةً كانت سلطة الأسرة وثقل التقاليد يحجبانها؟
لم يكن السؤال الذي طرحتُه في ذلك الحين مفاضلة سطحية بين الزواج التقليدي والزواج الحديث، ولا دعوة إلى إدانة حرية الاختيار أو تمجيد سلطة الجماعة. فهل تكمن المشكلة حقًّا فيمن يختار شريك الحياة: الأسرة أم الفرد؟ أم أن السؤال الأعمق يبدأ بعد الاختيار: كيف نحمي ما اخترناه، وكيف نحوّل الرغبة إلى مشروع قادر على البقاء؟
لقد منح التحول الاجتماعي الإنسان مساحة أوسع لاختيار شريك حياته، وفتح أمام المرأة آفاقًا أرحب للاستقلال، وحرّر الزواج من صور كثيرة من الإكراه. ولكن هل تتحول هذه المكاسب تلقائيًّا إلى سكينة واستقرار؟ وهل تكفي حرية الاختيار وحدها لبناء علاقة تصمد أمام تقلّبات الزمن؟ أم أن الحرية تحتاج إلى وعي يوازيها، فيقرنها بالمسؤولية، ويوازن بين الاستقلال والشراكة، وينقل الحب من حرارة الانفعال إلى رسوخ الالتزام؟
وهل هشاشة بعض الزيجات المعاصرة دليل على أن الماضي كان أكثر سعادة؟ وهل استمرار الزواج زمنًا طويلًا يعني، بالضرورة، نجاحه؟ ألم تكن بعض العلاقات تستمر تحت ضغط العائلة، أو الخوف من المجتمع، أو انعدام البدائل؟ وفي المقابل، هل كل طلاق علامة على التحرر والنضج؟ أم قد يكون، في بعض الأحيان، تعبيرًا عن العجز عن الصبر والحوار ومراجعة الذات؟
بأي ميزان، إذن، نقيس نجاح الزواج؟ أبعدد السنوات التي يمضيها الزوجان تحت سقف واحد، أم بقدر ما تصونه العلاقة من كرامتهما، وما تبنيه بينهما من ثقة، وما تمنحه لهما ولأبنائهما من طمأنينة وأمان؟ وهل يجوز أن نعدّ كل زواج طويل ناجحًا، وكل زواج انتهى فاشلًا، من دون أن نسأل عما أخفاه الاستمرار من ألم، أو عما أنقذه الانفصال من كرامة؟
وهل الزواج مجرد اختيار لشخص نحبه؟ أم إنه، في جوهره، اختيار لطريقة في العيش، ولنمط من المسؤولية، ولمشروع يقتضي تفاهمًا متجددًا حول الأدوار والرغبات والحدود؟ وكيف يستطيع الإنسان الانتقال من «أنا» المكتفية بذاتها إلى «نحن» لا تمحو الفرد، بل تمنحه معنًى أعمق داخل علاقة تقوم على الأخذ والعطاء؟
وحين يتعثر الزواج، هل يكون الزواج بأخرى حلًّا، أم قد يصبح مشكلة تضاف إلى المشكلة الأولى؟ وهل يعالج أصل الخلاف، أم يؤجله ويضاعف آثاره؟ وهل يكفي أن يكون التعدد مباحًا ليغدو، في كل حالة، خيارًا حكيمًا؟ أم أن الحكمة تقتضي النظر في العدل والقدرة وتحمل المسؤولية وصون كرامة جميع الأطراف؟ وكم من إنسان بحث عن مخرج من أزمة، فإذا به يفتح أبوابًا لأزمات لم تكن في الحسبان؟
وبعد أربعة عشر عامًا، أجدني أعود إلى السؤال نفسه: هل نحن أمام أزمة في مؤسسة الزواج، أم أمام أزمة في فهمنا لمعنى الالتزام؟ وهل تغيرت المؤسسة بوتيرة أسرع من تطور الوعي القادر على مواكبة هذا التغير؟ وهل امتلك الإنسان المعاصر حرية الاختيار قبل أن يمتلك الثقافة التي تحمي اختياره من التسرع والهشاشة؟
فالزواج لا يصبح قويًّا لمجرد أن الأسرة اختارت الشريك، ولا ينهار حتمًا لأن الفرد اختاره بنفسه. وإنما تبدأ قوته أو هشاشته مما يفعله الزوجان بعد الاختيار: فهل يحوّلان الرغبة إلى معرفة، والمعرفة إلى تفاهم، والتفاهم إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى معنًى مشترك؟
أليس هنا، تحديدًا، يكمن الفرق بين زواج يبدأ بحفل، وزواج يستمر بوصفه بناءً إنسانيًّا يتجدد كل يوم؟
محمد فؤاد برادة
المصدر: قراءة استرجاعية في مقالَيَّ المنشورين ضمن «Les Échos de La Tribune»: الجزء الثالث، بتاريخ 12 مايو 2012؛ والجزء الرابع، بتاريخ 10 يونيو 2012.