بقلم أحمد محمد حماده – كاتب ومحلل سياسي
لساعات قليلة، في ليلة الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من أغسطس، حبست نيامي أنفاسها. دوت أصوات إطلاق النار في العاصمة، واندلعت مواجهات حول مواقع استراتيجية، لتصبح محيطات القصر الرئاسي والقاعدة العسكرية 101 ومواقع حساسة أخرى في قلب أحداث تمكنت السلطة النيجرية في نهاية المطاف من حسمها عسكرياً لصالحها.
غير أن الانتصار العسكري لا يعني دائماً نهاية الأزمة. فمنذ أن وصل الجنرال عبد الرحمن تياني إلى السلطة في يوليو 2023، إثر الانقلاب الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، لم يواجه نظامه تحدياً مباشراً من داخل المؤسسة العسكرية بهذا الحجم.
فقد فشلت حركة التمرد، واستعادت السلطة السيطرة على الوضع، لكن السؤال الجوهري لا يزال قائماً: ماذا حدث فعلاً في تلك الليلة؟ والأهم من ذلك، ماذا تكشف هذه الأزمة عن واقع النيجر في عام 2026؟
في الساعات التي أعقبت المواجهات، بث التلفزيون الرسمي النيجري شهادة النقيب روجر غابرييل، قائد الكتيبة الأولى للمظليين في نيامي. وقال الضابط إنه تلقى اتصالات من زملاء طلبوا منه الانضمام إلى الحركة، كما تحدث عن مكالمات ورسائل وردته من خارج النيجر تشير، بحسب روايته، إلى احتمال وجود دعم أو تدخل لصالح المتمردين.
وتحمل هذه الشهادة ثقلاً سياسياً واضحاً، لأنها تتيح للسلطة تقديم الأحداث لا باعتبارها مجرد تمرد عسكري داخلي، بل كمحاولة لزعزعة الاستقرار قد تكون استفادت من دعم أو تواطؤات تتجاوز الحدود النيجرية.
لكن من الضروري عدم تجاوز الحد الفاصل بين الشك واليقين بسرعة. ففي هذه المرحلة، تظل التصريحات التي بثها التلفزيون الرسمي جزءاً من الرواية التي تتبناها السلطات، ولا تكفي، بمفردها، لإثبات مسؤولية الدول أو الأطراف التي قد يُشار إليها.
وهذه الدقة ليست تفصيلاً ثانوياً. ففي منطقة الساحل اليوم، لم تعد الصراعات تُدار في الميدان العسكري وحده، بل أصبحت تُخاض أيضاً عبر الروايات والاتهامات وشبكات التواصل الاجتماعي والمواجهات الدبلوماسية. فكل أزمة داخلية يمكن أن تتحول سريعاً إلى دليل مفترض على وجود تدخل خارجي، كما يمكن لكل تنافس دولي أن يُستخدم لتفسير أزمة وطنية. والحذر هنا لا يمنع التحليل، بل يفرضه.
يبرز اسم فرنسا بصورة طبيعية في هذا النقاش. فمنذ انقلاب عام 2023، قطعت نيامي علاقاتها السياسية والعسكرية السابقة مع باريس، وغادرت القوات الفرنسية البلاد، كما جعلت السلطات النيجرية من السيادة والابتعاد عن القوة الاستعمارية السابقة أحد أبرز ركائز خطابها السياسي.
وفي هذا السياق، يمكن بسهولة تفسير أي محاولة لزعزعة الاستقرار من خلال عدسة التنافس مع فرنسا، وبصورة أوسع من خلال الصراع على النفوذ في منطقة الساحل. لكن التركيز على العامل الخارجي لا ينبغي أن يحجب المشكلة الأكثر حساسية بالنسبة للجنرال تياني.
فنظامه وُلد من رحم المؤسسة العسكرية، وها هو التحدي الأخطر يظهر من داخل المؤسسة نفسها.
وحتى لو ثبت لاحقاً وجود دعم خارجي لبعض الأطراف، فإن ذلك وحده لن يكون كافياً لتفسير تمرد استطاع الوصول إلى مواقع بهذه الحساسية. فالأزمات من هذا النوع تفترض، في الغالب، وجود توترات سابقة وإحباطات وتنافسات وحالات تذمر، أو على الأقل ثغرات في تماسك مؤسسة كان يُعتقد أنها أكثر وحدة.
وربما هنا يبدأ التحدي الحقيقي للجنرال تياني. فاستعادة السيطرة على قاعدة عسكرية أو تأمين حي من أحياء العاصمة قد يستغرق ساعات، لكن إعادة بناء الثقة داخل مؤسسة عسكرية تعرض تماسكها للاهتزاز قد تتطلب وقتاً أطول بكثير.
وتذكر أزمة نيامي بحقيقة تميل الخطابات السياسية أحياناً إلى تجاهلها: لا تستطيع أي دولة في منطقة الساحل مواجهة التحديات المحيطة بها بمفردها.
فالنيجر تواجه تهديدات أمنية عابرة للحدود، وانتشار الجماعات المسلحة، وشبكات التهريب، وهشاشة اقتصادية، وأزمات إنسانية تتجاوز آثارها حدود الدولة. وفي هذا السياق، لا يتمثل السؤال في ما إذا كانت نيامي بحاجة إلى شركاء، فهي ستحتاج إليهم حتماً. السؤال الحقيقي هو كيف تختارهم، وكيف تتجنب في الوقت نفسه استبدال تبعية بتبعية أخرى.
فالسيادة لا تعني غياب العلاقات مع العالم، بل تعني القدرة على تنويع تلك العلاقات والاحتفاظ بحرية القرار. وكلما اتسعت خيارات الدولة وشراكاتها، ازدادت قدرتها على حماية استقلالية قرارها السياسي والاستراتيجي.
وفي هذا السياق، يكتسب الدعم الجزائري للنيجر أهمية خاصة. فبالنسبة للجزائر، لا يمثل استقرار النيجر قضية بعيدة عنها، بل يرتبط مباشرة ببيئتها الأمنية وبحسابات أمنها الوطني.
فالصحراء لا تفصل البلدين بقدر ما تربط بينهما، كما تجعلهما عرضة للهشاشات والتهديدات نفسها. وأي تدهور مستمر في الوضع داخل النيجر يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدودها، سواء من خلال زيادة تحركات الجماعات المسلحة أو توسع أنشطة التهريب أو تنقل الشبكات الإجرامية.
ومن هنا، فإن اهتمام الجزائر بنيامي يستند أولاً إلى واقع جغرافي وأمني واضح. فنيجر مستقرة تمثل أيضاً عنصراً من عناصر الأمن بالنسبة للجزائر.
لكن هذه العلاقة تندرج كذلك ضمن سياق أوسع، شهد خلال السنوات الماضية توتراً في العلاقات بين الجزائر وباريس، بالتزامن مع تراجع تدريجي للنفوذ الفرنسي في منطقة الساحل.
وهكذا، انفتح فراغ سياسي واستراتيجي تسعى القوى الإقليمية إلى التعامل معه وفقاً لمصالحها. وككل قوة إقليمية، ترغب الجزائر في الدفاع عن مصالحها وإسماع صوتها في منطقة ترى أن استقرارها يرتبط بصورة مباشرة بأمنها.
ومع ذلك، سيكون من الاختزال النظر إلى التقارب بين الجزائر ونيامي باعتباره مجرد نتيجة للتنافس الجزائري الفرنسي. فاستقرار النيجر يمثل مصلحة استراتيجية مباشرة للجزائر، بصرف النظر عن طبيعة علاقاتها مع باريس.
لكن السياق الحالي يمنح الجزائر أيضاً فرصة لتعزيز دورها في منطقة تؤمن منذ فترة طويلة بأن حلول أزماتها لا ينبغي أن تُفرض حصراً من خارجها. ويبقى الرهان الحقيقي هو معرفة ما إذا كان هذا التقارب قادراً على إنتاج أكثر من مجرد دعم سياسي في لحظة أزمة.
فالتعاون الأمني مهم، لكنه لا يكفي وحده. ذلك أن استقرار النيجر سيعتمد أيضاً على الاقتصاد والبنية التحتية وتنمية المناطق الحدودية، وعلى قدرة دول المنطقة على بناء مصالح مشتركة طويلة الأمد.
وفي المقابل، تبرز مسألة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس» باعتبارها جزءاً أساسياً من المعادلة التي ينبغي التفكير فيها بعيداً عن الانفعال.
فقد كان الانفصال بين نيامي والمنظمة الإقليمية أحد أبرز نتائج الأزمة التي اندلعت بعد انقلاب عام 2023. فالعقوبات والضغوط السياسية، والأهم من ذلك التلويح بإمكانية التدخل العسكري، كلها عوامل أدت إلى تدهور عميق في العلاقة بين السلطات النيجرية الجديدة والمنظمة الإقليمية.
ومن الطبيعي، في ظل هذه الخلفية، أن تكون هناك حالة من انعدام الثقة. لكن الجغرافيا أكثر دواماً من الأزمات السياسية.
فالنيجر تنتمي إلى الفضاء الغرب إفريقي، وتمر طرقها التجارية عبره، وتتحرك سكانها داخله، وترتبط مصالحها الاقتصادية والأمنية به. ولا يمكن لأي استراتيجية وطنية أن تتجاهل هذه الحقائق بصورة دائمة.
ولهذا، فإن مسألة العودة التدريجية إلى تطبيع العلاقات مع «إيكواس» تستحق اليوم أن تُطرح، ليس باعتبارها عودة إلى الوراء أو تنازلاً عن المبادئ، بل باعتبارها حساباً استراتيجياً.
فالعودة إلى الحوار لا تعني التخلي عن السيادة. فالدولة ذات السيادة ليست هي التي تغلق جميع الأبواب، بل التي تحتفظ بالقدرة على اختيار الأبواب التي ترغب في فتحها.
ومن المرجح أن تستفيد النيجر من إعادة بناء جسور تدريجية مع محيطها الغرب إفريقي، والنظر، على المدى البعيد، في شروط إقامة علاقة مؤسسية أكثر استقراراً مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا.
يمكن للجزائر أن تكون شريكاً أساسياً، لكنها لا تستطيع أن تحل محل كامل المحيط الغرب إفريقي للنيجر. كما أن الانتماء إلى الفضاء الغرب إفريقي لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره متناقضاً مع الشراكات الجديدة التي ترغب نيامي في تطويرها.
فالاستقلالية الدبلوماسية الحقيقية لا تعني اختيار معسكر واحد إلى الأبد، بل تعني الاحتفاظ بأكثر من خيار والقدرة على المناورة بينها وفقاً للمصلحة الوطنية.
فشلت حركة التمرد، ولا يزال الجنرال تياني في السلطة. لكن ليلة نيامي تركت وراءها شيئاً يصعب قياسه أكثر من حجم الخسائر المادية أو حصيلة المواجهات: الشك.
الشك في مدى التماسك الحقيقي داخل المؤسسة العسكرية، وفي عمق التوترات الداخلية، وفي حجم وتأثير التدخلات الخارجية، وكذلك في قدرة السلطة على مواجهة الأزمة بوسائل تتجاوز مجرد تعزيز القبضة الأمنية.
وربما تبدأ الاختبارات الحقيقية الآن. فإذا اقتصر الرد على الأزمة على الاعتقالات والتطهير وتوسيع دائرة الشكوك، فقد يكون الخطر هو نقل التوترات من مكان إلى آخر من دون معالجة أسبابها الحقيقية.
أما إذا دفعت هذه الأحداث السلطة إلى التساؤل عن خطوط الصدع الداخلية، وإعادة بناء الثقة داخل الجيش، وإعادة التفكير في علاقاتها مع محيطها الإقليمي، فقد تتحول الأزمة أيضاً إلى لحظة مراجعة وتوضيح.
تقف النيجر اليوم أمام لحظة اختيار. يمكنها أن تواصل سياسة القطيعة، مع الاعتماد على شركاء جدد وتعميق المسافة بينها وبين الأطراف التي تعتبرها امتداداً لنظام إقليمي ودولي قديم.
ويمكنها، في المقابل، أن تسلك طريقاً أكثر تعقيداً، لكنه ربما يكون أكثر فائدة: الحفاظ على السيادة مع توسيع شبكة العلاقات والشراكات.
فالدعم الجزائري يمثل فرصة، والحوار مع غرب إفريقيا يمثل فرصة أخرى، ولا يوجد تناقض بالضرورة بين الخيارين. بل يمكن أن يكمل أحدهما الآخر في إطار سياسة خارجية أكثر توازناً واستقلالية.
لأن استقرار بلد مثل النيجر لا يعتمد فقط على ولاء حليف أو قوة جيش، بل يعتمد أيضاً على قدرته على تجنب العزلة، وعلى بناء شبكة متوازنة من العلاقات التي تخدم مصالحه الوطنية.
ربما حُسمت ليلة نيامي بالسلاح، لكن ما بعد نيامي سيُحسم في أماكن أخرى: داخل الثكنات، وفي المؤسسات، وفي قدرة النيجر على تحويل خطوط تصدعها إلى مساحات للحوار.
وبالنسبة للجنرال تياني، ربما يكون الجزء الأصعب قد بدأ الآن.




