مع تمدد نار الساحل خارج بؤرها المالية التقليدية، تقف موريتانيا اليوم واقفة على حافة توجس أمني بالغ التعقيد:
كيف يمكن الحفاظ على الاستثناء الموريتاني في محيط إقليمي تتساقط فيه الضمانات تباعًا؟
خلال الأيام الأخيرة، اضطرت قيادة الجيش الموريتاني إلى تكرار نفيها لما تردد عن توغلات أو تحركات عسكرية مالية قرب الحدود الشرقية.
لم تكن البيانات في ظاهرها سوى ردود رسمية على شائعات متداولة، لكنها في عمقها عكست حالة يقظة متصاعدة لدى نواكشوط، التي تراقب بقلق اقتراب الحرب المالية من مجالها الحدودي، وتدرك أن أي شرارة صغيرة في هذه المنطقة الرخوة قد تتحول إلى اختبار كبير لقدرتها على ضبط المجال وحماية الاستقرار.
فالحدود الموريتانية المالية لم تعد مجرد خط جغرافي يفصل بين دولتين. لقد تحولت، بفعل الحرب والنزوح والتهريب وضعف سلطة الدولة في مناطق واسعة من مالي، إلى فضاء رمادي تتداخل فيه حركة الرعاة واللاجئين والمهربين والجماعات المسلحة، وتختلط فيه الاعتبارات الأمنية بالهواجس الاجتماعية والإنسانية. ومن هنا، فإن كل خبر عن تحرك عسكري، وكل شائعة عن توغل، لا يُقرأ فقط كحادث معزول، بل كإشارة إلى هشاشة جبهة ظلت لسنوات إحدى ركائز الاطمئنان الموريتاني.
منذ سيطرة العسكريين على الحكم في باماكو وتراجع الشراكات الأمنية التقليدية مع الغرب، شهدت الحرب ضد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المرتبطة بتنظيم القاعدة، تحولات ميدانية عميقة. فقد انتقل جزء مهم من الضغط العسكري والأمني نحو غرب مالي، بمحاذاة الحدود الموريتانية، خصوصًا في مناطق نارا ونيورو ومحيطهما. وهناك تزداد العمليات المسلحة، وتتسع رقعة النزوح، بينما تثير عمليات الجيش المالي وحلفائه الروس توترات إضافية، خاصة في أوساط مدنية، من بينها مجتمعات الفلان، التي وجدت نفسها بين عنف الجماعات المسلحة وقسوة المقاربات العسكرية.
وعلى الجانب الموريتاني، تظهر تداعيات هذا المشهد في الحوض الشرقي ومخيم امبره، حيث يستمر تدفق اللاجئين الماليين، في منطقة تعاني أصلًا من محدودية الموارد وضعف البنى الخدمية. فالماء والمراعي والصحة والتعليم والمساعدات الإنسانية لم تعد ملفات إنمائية فقط، بل أصبحت عناصر في معادلة الأمن الوطني. وحين تضيق الأرض على اللاجئ والراعي والمقيم، يصبح الاستقرار هشًّا، لا لأنه غائب، بل لأنه محاصر بضرورات يومية ثقيلة.
في هذا السياق، اختارت نواكشوط أن تتحرك على خطين متوازيين:
اليقظة العسكرية من جهة، والدبلوماسية الهادئة من جهة أخرى. فهي تعزز مراقبة حدودها الشرقية، وتبعث برسائل طمأنة إلى الداخل، لكنها في الوقت نفسه لا تندفع نحو التصعيد مع باماكو. بل إن إعادة تنشيط قنوات الحوار مع السلطات المالية تعكس قراءة موريتانية واقعية لطبيعة الجوار: فحين يكون الجار مأزومًا، لا يكفي أن ترفع في وجهه الجدار؛ عليك أيضًا أن تبقي معه بابًا مفتوحًا، ولو كان ضيقًا.
هذه السياسة ليست جديدة على الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي بنى جزءًا من حضوره الإقليمي من موقع الوسيط الهادئ، أو على الأقل الشريك القادر على الحديث مع أطراف متباعدة. فموريتانيا لا ترغب في تبني الاصطفافات الحادة التي تطبع الإقليم، ولا تريد في المقابل أن تظهر بمظهر الدولة المنعزلة عن محيطها. لذلك تحاول أن تجمع بين الحذر من الانزلاق في فوضى الساحل، والحفاظ على الحد الأدنى من التواصل مع الأنظمة العسكرية التي باتت تمسك بعواصم مجاورة.
غير أن هذه الموازنة الدقيقة لا تلغي حجم التحدي. فالنموذج الأمني الموريتاني، الذي جنب البلاد هجمات كبرى منذ أكثر من عقد، يقوم على مزيج من العمل الاستخباراتي، والانتشار العسكري، والضبط الاجتماعي، وبرامج مواجهة التطرف. لكنه نموذج يحتاج إلى موارد دائمة، وإلى حدود قابلة للإدارة، وإلى محيط لا ينهار بالكامل. وكلما تعمقت الأزمة المالية، أصبح الحفاظ على هذا النموذج أكثر كلفة وتعقيدًا.
ولذلك تبدو بيانات النفي العسكرية أكثر من مجرد تصحيح لمعلومات غير دقيقة. إنها جزء من معركة أوسع لكسب الثقة. فالدولة تريد أن تقول لمواطنيها إن الحدود تحت السيطرة، وأن الجيش حاضر، وأن الشائعات لا ينبغي أن تتحول إلى ذعر. لكنها، في الوقت نفسه، لا تستطيع أن تنفي الحقيقة الأوسع: الخطر يقترب، وإن لم يعبر الحدود بعد.
وتتجاوز أهمية موريتانيا حدودها الوطنية. فهي اليوم آخر واجهة أطلسية مستقرة في محيط ساحلي مضطرب، وشريك أساسي للاتحاد الأوروبي في ملفات الهجرة والأمن، ونقطة توازن بين المغرب العربي وغرب إفريقيا والساحل. ومن هذا الموقع، تتحول إلى حاجز استراتيجي أمام امتداد الفوضى نحو المحيط. لكن موقع الحاجز يحمل دائمًا مفارقة قاسية: فكلما ازدادت الحاجة إليه، ازدادت الضغوط عليه.
إن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت موريتانيا في خطر داهم، بل كيف ستدير خطرًا زاحفًا لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل عبر اللاجئين، ومسارات التهريب، والتوترات القبلية، والشائعات، والحوادث الحدودية، والفراغات التي تتركها الدول المنهكة. فالتهديد في الساحل لا يتحرك دائمًا كجيش يعبر الحدود، بل كثيرًا ما يتقدم كغبار ناعم، يتراكم بصمت حتى يغطي المشهد.
لذلك، تبدو نواكشوط أمام معادلة شديدة الدقة: أن تحاور باماكو دون أن ترتهن لها، وأن تستقبل اللاجئين دون أن تفتح ثغرات أمنية، وأن تطمئن الداخل دون أن تخدره، وأن تحافظ على صورتها كاستثناء إقليمي دون أن تغفل أن الاستثناء، مهما كان صلبًا، لا يعيش طويلًا إذا تُرك وحيدًا وسط الانقاض.
في النهاية، تكشف الأزمة الحدودية الحالية أن الاستقرار الموريتاني لم يعد مجرد إنجاز داخلي، بل صار جزءًا من معادلة إقليمية واسعة. وما يجري على تخوم الحوض الشرقي ليس هامشًا بعيدًا، بل مرآة لتحول عميق في الساحل: خطوط النار تتحرك غربًا، والدول المستقرة تجد نفسها مطالبة بأن تثبت، كل يوم، أنها لا تزال قادرة على منع الجغرافيا من التحول إلى قدر.




