في المرفق تزكية من العلامة سيدي بن حين (ت: 1358هـ) لابن أشياخه سيدي المختار بن القاضي محمد محمود بن العلامة الإمام المرابط محمد الأمين بن أحمد زيدان ونصها: “من نظر في فتاوي سيدي المختار بن محمد محمود بن شيخنا ووسيلتنا إلى ربنا، وكان سالما من حسده يتبين له أنه من أهل صناعة القضاء بل من أمثل أهل ذلك اليوم، ولا غرو..
قال الشاعر:
حاكى أباه بما أجرى ولا عجب *** فوثبة الشبل تحكي وثبة الأسد
ولن ترى والدا طابت مغارسه *** إلا وبهجته تحلو إلى الولد
ولا يطعن أحد في كلام أحد إلا إذا فاقه، وتعقبه بالنقول..
ويجب على قبيلتنا أن ينصروه لأن ذلك فيه برور قدواتنا، وفيه انتصار بيتنا جذيلنا المحكك وعذيقنا المرجب.
سيدي بن حين”.
وسيدي المختار المذكور فقيه نبيه أخذ عن والده العلامة قاضي انبود (ت: 1923م) وتولى رئاسة مجموعته وخطة القضاء عدة سنوات، ثم اعتزل ذلك، وسكن مع أخواله أهل سيدي المختار بن عبد القادر بن الشريف أحمد الولي، وبقي معهم معززا مكرما، مشتغلا بالعبادة والتعليم حتى توفي في حدود 1980م وعرف بقوة الشخصية والترفع عن النقائص رحمه الله.
وكان والده المذكور من أعلم إخوته، وتولى القضاء في “انبود” بعيد تأسيسه على يد الفرنسيين وبقي فيها إلى وفاته، وكانت له علاقات مع كثير من أعيان عصره ومنهم العلامة محيي السنة الشيخ سيديا باب بن الشيخ سيدي، وقد أهدى له فرسا من عتاق الخيل من صنف “اجريبات” وكافأه باب بهدية سنية..
وعلى ذكر صناعة القضاء فهي من العلوم التي كان طلبة المحاضر يتلقونها من شيوخهم من خلال قراءة الكتب المتخصصة في القضاء، وممارسة القضايا ونقد الفتاوي، واكتشاف ملكة الطالب وتوجيهه إلى صناعة القضاء إن ظهر منه استعداد لذلك..

ومن أبرز الكتب المتخصصة في فقه القضاء منظومة ابن عاصم، وقد شرحها عدد من الشناقطة، منهم عبد الله بن الحاج حمى الله ومحمد بن القاضي المحجوبي ومحمد مبارك اللمتوني وغيرهم، ومنها: لامية الزقاق وقد شرحها عدد منهم كذلك، ومنهم: القاضي أند عبد الله والمرابط ابن أحمد زيدان، وغيرهم..
ومن المطولات تبصرة ابن فرحون، وقد نظمها ابن انبوجا ونظمها حديثا أخونا العلامة القاضي محمد عمار بن محمد بن سيدي يحيى (عطاء) حفظه الله، وفيها يقول العلامة الجليل محمد حرمة بن عبد الجليل يخاطب الشاعر العالم محمد بن الطلبة لما طلب منه إعارته:
يابن المشايخ والأشياخ أسلافه *** جزاء من يسعف العافين إسعافه
لكن تبصرة الحكام مبخلة *** ولؤلؤ وسواد القلب أصدافه
ومن أعار سواد القلب أتلفه *** لكن يهون علينا فيك إتلافه
ومنها تبصرة ابن سلمون المسماة “بالعقد المنظم للحكام فيما يجري بين أيديهم من العقود والأحكام” وقد نقل منها المرابط بن أحمد زيدان في نصيحته موافقة جمع من مالكية الأندلس لشيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة الطلاق الثلاث دفعة، ورد بذلك على من نسب القول باعتبارها واحدة للابتداع ونقل الإجماع على خلافه..
ونجد في ترجمة الشيخ محمد حبيب الله بن ما يابى التي ألحقه تلميذه بالجزء الخامس من فتح المنعم على زاد المسلم، أنه تلقى صناعة القضاء وفنونا شتى عن شيخه العالم المتبحر سيدي المختار بن محمد عينين بن أحمد بن الهادي اللمتوني (ت حوالي 1330 هـ) بعد أن قرأ معظم الفنون على أخيه العلامة أحمد صاحب المغني، وتلميذ الشيخ محمد محمود بن حبيب الله بن القاضي عميد الكحلاء والصفراء. والمرابط أحمد بن محمد عينين هذا انفرد عن شيخه المذكور محمد محمود بن حبيب الله بمروياته في الحديث وغيره عن شيخ الشيوخ سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم عن شيخه البناني الفاسي. وعن المرابط أحمد رواها الشيخ محمد الخضر بن ما يابى وأسند من طريق هذا السند صحيح البخاري في كتابه “كوثر المعاني والدراري على صحيح البخاري”.
وكذلك أخذ العلامة أباه بن محمد الأمين اللمتوني (ت: 1380هـ) صناعة الفتوى والقضاء عن شيخه الشيخ محمد بن سيدي الجكني (ت: 1347هـ) وقرأ عليه مراقي السعود ونور الآقاح في البلاغة وقرأ عليه دروسا من السلم أو أحد متون المنطق، فلاحظ أنه بارع فيه فقال له بلطف وتواضع نادر: دعنا نتذاكر في هذا الفن ونقرأ الشرح وليكن الشرح عندك وأنا أقرأ عليك المتن” وكان الشيخ أباه قد قرأ المنطق على عبد السلام بن حرمة صاحب احمرار السلم قبل ذلك..
ومن اكتشاف الشيوخ المبكر لملكات الطلاب أن المرابط أباه لما قرأ عليه الشيخ محمد عبد الله بن الإمام رحمه الله بعض المتون، لاحظ جودة فهمه وذكائه، فأمره أن يقرأ عليه العقليات، من أصول وتوحيد ومنطق وبلاغة فقرأ عليه تلك الفنون حتى برع فيها، وأذن له في الفتوى وأحال اليه بعض المسائل المشكلة..
واشتهر الشيخ محمد عبد الله بعد تخرجه بتحرير النوازل، وتذليل ما استعصى منها، حتى قال فيه بعض شيوخه: إنه مجتهد ترجيح، وقال العلامة محمد الحسن بن أحمد الخَديم في التنويه بموقفه من مسألة زكاه التجارة والعملات:
بذاك قد صرح مفتي الزمن *** عبد الإله بن الإمام الجكني
وهو فقيه فاق في الإحكام *** وناظر في علل الأحكام
طب إذا يسبر منها النبضا *** وليس جامدا جمودا محضا
ويقول فيه الشاعر محمد الأمين بن ختار في أرجوزة يمدحه فيها هو وصنوه العلامة محمد يحيى بن الشيخ الحسين:
إن تگانت بها الحبر العلم *** محمد يحيى هو البحر الخضم
فكل فن إن أردتَ عَبْره *** له دراية به وعِبره
وابن الأمام في العلوم النازلة *** من مثله؟ فأمَّه بالنازلة
يكفيكها بنظر سديد *** مؤيد بفهمه الحديد
يخرجها من غامض المعاني *** إذا أبت عن قرنها المُعاني
يحزها في المفصٍل الأصيل *** من أصلها والفرع والدليل
فتنثني خافضة الجَناح *** لمن يرومها بلا جُناح
وبلغني عن شيخ أشياخنا العلامة الصالح محمد المصطفى بن دية (ت: 1953م) أنه لاحظ من تلميذه سيدي عبد الله بن الزين العلوي استعداد لصناعة القضاء فكان يدعوه القاضي، وهو إذ ذاك طالب عنده؛ فكان من قضاء الله تعلى أن تولى القضاء بعد ذلك، وصار من أعيان القضاة.. وربما نهى بعض تلامذته عن القضاء عكس الأول..
وهذا غيض من فيض..




