بعض الملفات، حين تبرز إلى الفضاء العام، لا تكتفي بكشف اختلالات إدارية معزولة؛ بل تتحول إلى مرايا عاكسة لأساليب في التدبير، تفضح أنماطًا متكررة، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول المسؤولية، والشفافية، وصلابة آليات الرقابة المؤسسية. وما اصطلح الإعلام على تسميته بـ«فضيحة القطع الأرضية البيضاء» يندرج تمامًا ضمن هذا النوع من القضايا؛ تلك التي تتجاوز وقائعها المباشرة لتلامس، في العمق، بنية الفعل العمومي نفسها.
ولا يمكن تناول هذا الملف بمعزل عن المعطيات التي وضعتها في متناول الرأي العام وكالة الأخبار المستقلة، من خلال تحقيق مدعوم بوثائق ومراسلات رسمية، أتاح تتبع مسار هذه القطع الأرضية وكشف آليات اشتغالها داخل الجهاز الإداري. ولا يندرج الاعتماد على هذه المعطيات في إطار الإحالة الشكلية فحسب، بل يشكل عنصرًا بنيويًا في قراءة الملف، مع ما يقتضيه ذلك من حذر منهجي، بالنظر إلى طبيعتها الإعلامية، وما تستدعيه من تدقيق وتحقق، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية أو توضيحات الأطراف المعنية.
ما يكشفه التفحص الدقيق لمسار هذه القضية ليس مجرد خلل عابر، بل نمط إجرائي متماسك بما يكفي لإثارة التساؤل. فمن وثائق عرفية ناقصة في البداية، إلى حقوق ملكية مُحصّنة في النهاية، مرورًا بمسارات من التصديق الشكلي التي بدت، في بعض الأحيان، أقرب إلى أدوات للإضفاء القانوني منها إلى آليات فعلية للتحقق. وبين هاتين النقطتين، تتشكل مسارات توحي، في ظاهرها، بالامتثال، لكنها في جوهرها تعكس استثمارًا ذكيًا لثغرات النظام، سواء تعلق الأمر بتداخل الاختصاصات، أو ضعف التنسيق، أو هشاشة أدوات المراقبة.
غير أن الإشكال لا يتوقف عند حدود الإجراءات. فتركيبة المستفيدين تضفي على الملف بعدًا أكثر حساسية، حيث تبرز أسماء وعائلات ترتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بدوائر القرار أو النفوذ. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل نحن أمام تجاوزات فردية، مهما كانت خطورتها، أم أمام خلل بنيوي يسمح بإعادة إنتاج هذه الممارسات كلما توفرت شروطها؟
كما يكشف هذا الملف عن واقع آخر لا يقل إثارة للقلق، يتمثل في قابلية بعض المسارات الإدارية للاختراق أو الالتفاف. فتجاوز هيئات رقابية معينة، أو اعتماد تقارير خارج مسارها الطبيعي داخل السلم الإداري، أو تمرير إجراءات ناقصة دون تدقيق كافٍ، كلها مؤشرات لا تعني بالضرورة خرقًا صريحًا للقانون، لكنها تشير إلى انزلاق نحو منطقة رمادية، حيث لا تعود المشروعية الشكلية كافية لضمان مشروعية القرار. وفي هذه المساحات تحديدًا تتآكل ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
أما الإجراءات التي اتخذتها السلطات، وخاصة إعفاء عدد من المسؤولين، فتعكس سعيًا لاحتواء التداعيات المباشرة للملف. غير أنها لا تُنهي النقاش، بل تفتحه على سؤال أكثر عمقًا: هل تكفي المقاربة العقابية لمعالجة جذور الإشكال، أم أن الأمر يستدعي مراجعة شاملة لمنظومة التحقق والمصادقة، ولتوزيع الأدوار والمسؤوليات داخل سلسلة تدبير العقار؟
إن اختزال هذا الملف في مسألة مساءلة فردية قد يكون قراءة مريحة، لكنه يظل قاصرًا. فالعقار، في أي دولة، ليس مجرد مورد اقتصادي؛ بل هو مجال تتقاطع فيه اعتبارات العدالة الاجتماعية والتوازن المجالي، ويعكس في الآن ذاته مستوى جودة الحكامة. وأي خلل في تدبيره يترك آثارًا عميقة على الإحساس بالإنصاف وعلى مصداقية الدولة.
وفي السياق الموريتاني، حيث يتسارع التوسع الحضري وتتزايد الضغوط على العقار في المدن، تبدو الحاجة إلى منظومة أكثر شفافية وصلابة، قادرة على مقاومة محاولات الالتفاف، سواء كانت بدوافع خاصة أو نتيجة لثغرات إجرائية، حاجة ملحّة لا تقبل التأجيل. فمثل هذه الممارسات لا تزدهر إلا في البيئات التي يضعف فيها الرقابة وتتداخل فيها المسؤوليات.
وهكذا، يتجاوز الرهان حدود هذا الملف بعينه، ليطرح سؤالًا أعمق: هل نحن أمام حادثة معزولة سرعان ما تستوعبها آليات التدبير المعتادة، أم أمام مؤشر يستدعي إعادة نظر جذرية في العلاقة بين السلطة والمسؤولية؟ بين نص القانون وروحه، بين ما هو ممكن إجرائيًا وما هو مقبول أخلاقيًا، تتكشف فجوة تحتاج إلى معالجة واعية.
وفي المحصلة، لا يكمن التحدي الحقيقي في تصحيح اختلال عابر، بل في بناء منظومة تجعل تكراره أمرًا مستبعدًا؛ لا من خلال الردع وحده، بل عبر ترسيخ الشفافية، وإحكام الإجراءات، وضمان استقلالية آليات الرقابة. ويبقى السؤال مطروحًا: هل ستكون هذه القضية منطلقًا لإصلاح مؤسسي حقيقي، أم أنها ستنضم إلى قائمة الملفات التي تُغلق إداريًا دون أن تحسم فعليا على المستويين السياسي و المجتمعي؟




