لحق لا يُنال بالبذاءة…
ليست المطالبة بالحقوق مجرد صرخة احتجاج أو ردّ فعل عابر،بل هي فعلٌ إنساني عميق يعكس وعي الفرد بذاته وبكرامته وبمكانته داخل المجتمع غير أن هذا الفعل،رغم مشروعيته،لا يكتمل إلا إذا استند إلى مسؤولية أخلاقية تُوجه مساره وتضبط أدواته. فليس كل تعبير عن الحق يُعد دفاعا عنه،ولا كل صوتٍ عالٍ يُقربنا من العدالة وهنا تتجلى الحقيقة الأساسية:أن المطالبة بالحقوق تحتاج إلى مسؤولية أخلاقية، لا إلى البذاءة.
البذاءة،ليست مجرد ألفاظ جارحة أو عبارات قاسية، بل هي اختزال للآخر،وإلغاء لقيمته،وتحويله من شريك في الواقع إلى خصمٍ يجب النيل منه. وعندما تتسلل هذه اللغة إلى خطاب المطالبة بالحقوق،فإنها تُفرغ هذا الخطاب من معناه،وتُحوّله من سعيٍ نحو العدالة إلى ساحةٍ للصراع الشخصي فبدل أن يُناقش الإنسان قضيته،ينشغل بإهانة غيره،وبدل أن يُقنع، يُهاجم،وبدل أن يُبني،يهدم.
قد تبدو البذاءة في بعض اللحظات وسيلة للتنفيس عن الغضب،خاصة حين يكون الظلم قاسيا أو مستمرا غير أن هذا التنفيس،رغم ما يمنحه من راحة مؤقتة،لا يُنتج حلا، بل يُعمّق الأزمة. لأنه يُغلق أبواب الحوار، ويُفقد الخطاب احترامه،ويُعطي مبررا للآخر لرفض المطالب بدل الاستماع إليها وهكذا،تتحول المطالبة بالحق إلى عبءٍ على نفسها،بدل أن تكون قوة داعمة لها.
في المقابل،تقوم المسؤولية الأخلاقية على وعيٍ مزدوج وعيٍ بالحق،ووعيٍ بطريقة المطالبة به.فهي لا تكتفي بتحديد ما نريده،بل تُعنى بكيفية الوصول إليه. وهذا الوعي يُترجم في لغةٍ محترمة،وحجةٍ واضحة، وموقفٍ ثابت لا ينزلق إلى الإساءة فالقوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على التجريح،بل في القدرة على الإقناع،وعلى الحفاظ على التوازن حتى في لحظات التوتر.
إن المسؤولية الأخلاقية في المطالبة بالحقوق تعني أيضا إدراك أن الآخر—مهما اختلفنا معه—يبقى إنسانا
له كرامته وهذا الإدراك لا يُضعف الموقف،بل يعززه، لأنه يُخرج الخطاب من دائرة الانفعال إلى دائرة الوعي. فالإنسان الذي يُطالب بحقه باحترام،يُجبر الآخرين على احترامه،حتى وإن اختلفوا معه.أما من يلجأ إلى البذاءة،فإنه يُضعف نفسه قبل أن يُضعف خصمه.
كما أن للمسؤولية الأخلاقية بُعدا اجتماعيا بالغ
الأهمية فطريقة المطالبة بالحقوق لا تؤثر فقط في نتيجة القضية،بل في طبيعة المجتمع ككل فإذا سادت لغة البذاءة،أصبح الخلاف ساحة للإهانة،وتراجعت قيم الحوار والتفاهم.أما إذا ارتقت اللغة،فإنها تُسهم في بناء بيئةٍ صحية تُدار فيها الاختلافات بوعيٍ واحترام، مما يُعزز من استقرار المجتمع وتماسكه.
ولا يعني ذلك أن المطالبة الأخلاقية بالحقوق تقتضي اللين المطلق أو التنازل.بل على العكس،هي تتطلب حزما وإصرارا،لكن دون السقوط في الإساءة.فهناك فرقٌ جوهري بين الحزم والبذاءة: الأول تعبير عن قوةٍ منضبطة، والثاني تعبير عن ضعفٍ منفلت.والحازم قادر على أن يقول “لا” بوضوح، دون أن يُهين،وأن يُدافع عن حقه دون أن يتخلى عن قيمه.
فالكلمة المسؤولة قد تكون أبطأ أثرا،لكنها أبقى،لأنها تُخاطب العقل والضمير معا أما البذاءة،فرغم سرعتها، فإنها تترك أثرا سلبيا يُضعف القضية على المدى الطويل.
وفي النهاية، يمكن القول إن المطالبة بالحقوق ليست مجرد معركة للحصول على ما نريد،بل هي اختبارٌ لما نحن عليه. فهي تكشف عن مستوى وعينا، وعن قدرتنا على التمييز بين القوة والعدوان،وبين التعبير والإساءة. وإذا كنا نسعى إلى عدالةٍ حقيقية، فعلينا أن نبدأ من أنفسنا،بأن نُطالب بحقوقنا بطريقة تعكس هذه العدالة.
محمد محمد المختار




