في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة النشر وتتصاعد فيه أصوات المنصات الرقمية، برزت ظاهرة لافتة تتمثل في انتشار التسميع والرياء وحب الظهور، خصوصًا في أوساط من يُفترض أنهم من النخب الثقافية ورواد الفكر.
وهي ظاهرة لا يمكن فصلها عن سياقات أعمق، تتصل بالفراغ الروحي، والخصاص المعرفي، وضعف الجهد الإبداعي.
لقد تحوّلت بعض المنصات الرقمية إلى ساحات استعراض، لا يُقاس فيها عمق الفكرة بقدر ما يُقاس بمدى انتشارها، ولا تُقيَّم فيها القيمة بما تحمله من مضمون، بل بما تحققه من تفاعل واعجابات.
وفي خضم هذا التحول، اختار البعض طرقًا مختصرة نحو “النجاح”، لا تتطلب مكابدة علم، ولا صبرًا على التحصيل، بل تعتمد على الإثارة، ومخاطبة الغرائز، والتماهي مع ما يثير الجدل ويجلب الانتباه.
هذا التهافت نحو الشهرة، بأي ثمن، أفرز نماذج تُقدّم الحضور على حساب الجوهر، وتُعلي من شأن الظهور ولو على حساب الأخلاق والقيم.
فبدل أن تكون الثقافة مجالًا للارتقاء بالفكر والذوق، تحوّلت عند البعض إلى وسيلة للتموقع، ومطية لتحقيق حضور رقمي سريع، ولو كان هشًا وعابرًا.
والمفارقة أن هذا السلوك لا يعكس قوة، بل يكشف هشاشة داخلية؛ إذ إن السعي المحموم نحو لفت الأنظار غالبًا ما يكون تعويضًا عن فراغ في المعنى، أو عجز عن تحقيق تميّز حقيقي في ميادين المعرفة والإبداع.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون برفض الوسائط الحديثة أو الانسحاب منها، بل بإعادة الاعتبار لقيمة المحتوى، وتعزيز ثقافة الجهد، وترسيخ معايير الجدية والمسؤولية في الخطاب العام.
فالمثقف الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بعمق أثره، ولا بقدر صوته، بل بوزن كلمته.
في النهاية، يبقى السؤال مطروحًا: هل نريد فضاءً يكرّس التهافت، أم مجالًا يليق بالفكر ويحتفي بالقيمة؟ الإجابة تبدأ من وعي الفرد، وتمتد إلى ضمير الجماعة.




