أقرت الحكومة الموريتانية قرارًا يقضي بجمركة الهواتف المحمولة، وهو قرار يثير كثيرًا من الجدل والتساؤلات في الشارع العام. فمن حيث المبدأ، يظل من حق الدولة أن تفرض الرسوم الجمركية على السلع عند دخولها البلاد، باعتبار ذلك جزءًا من سياساتها المالية وتنظيمها للسوق. غير أن الإشكال يبرز عندما يمتد تطبيق هذا القرار ليشمل ملاحقة الهواتف المستعملة لدى المواطنين بعد دخولها السوق وتداولها بينهم.
إن الهاتف الجوال اليوم لم يعد مجرد سلعة كمالية، بل أصبح أداة أساسية في حياة الناس اليومية، يعتمدون عليه في التواصل والعمل والتعليم والخدمات الرقمية.
ولذلك فإن ملاحقة المواطنين من أجل جمركة هواتف يستخدمونها بالفعل قد يُفهم على أنه تضييق غير مبرر، ويعطي انطباعًا بأن المواطن هو الحلقة الأضعف التي يُبحث فيها دائمًا عن مصادر جديدة للجباية.
كما أن مثل هذه الإجراءات قد تخلق حالة من التذمر وفقدان الثقة، خاصة إذا شعر الناس أن السياسات الضريبية تُبتكر دون مراعاة لواقعهم الاقتصادي أو لقدرتهم الشرائية. فالأصل في السياسات الجبائية أن تكون عادلة وواضحة وموجهة أساسًا نحو تنظيم السوق عند المنافذ الجمركية، لا نحو مطاردة المواطنين في ممتلكاتهم الشخصية.
إن أي إصلاح مالي ناجح يحتاج إلى التوازن بين حق الدولة في تحصيل الإيرادات، وحق المواطن في الكرامة والطمأنينة وعدم الشعور بأنه هدف دائم لإجراءات الجباية.
ومن هنا، فإن مراجعة آليات تطبيق هذا القرار تبدو ضرورة لضمان تحقيق أهدافه دون المساس بثقة المواطنين أو إثقال كاهلهم بإجراءات قد يرون فيها إهانة أو عبئًا إضافيًا.




