في لحظة دولية تتسم بإعادة تشكل خرائط النفوذ وتصاعد التهديدات غير المتكافئة، جاء حضور وزير الدفاع وشؤون المتقاعدين وأبناء الشهداء ، السيد : حنن ولد سيدي ، في مؤتمر ميونخ للأمن ليكرس تموقع موريتانيا كفاعل إستراتيجي في مُعادلة الأمن الإقليمي والدولي، فهذا المؤتمر الذي يُعد منذ تأسيسه عام 1963 أحد أهم المنتديات العالمية للحوار حول قضايا الأمن والدفاع، ليس مُجرد منصة خطابية، بل فضاء لإعادة تعريف مفاهيم الردع، وإدارة المخاطر، وبناء الشراكات الأمنية.
من على هذا المنبر الدولي عرض وزير الدفاع مرتكزات المقاربة الأمنية الموريتانية في مواجهة الإرهاب، مقدماً تجربة وطنية تجاوزت منطق رد الفعل الظرفي إلى بناء عقيدة أمنية متكاملة، قوامها الاستباق، والتحصين المجتمعي، وضبط المجال الحيوي للدولة.
المقاربة الموريتانية كما تم عرضها من طرف وزير الدفاع لا تقوم على البعد العسكري الصرف، بل تنطلق من فهم سوسيولوجي يعتبر الإرهاب ظاهرة مركبة تتغذى من الهشاشة الاجتماعية، ومن إختلالات التنمية، ومن شبكات عابرة للحدود، ولذلك تم الإنتقال من أمن التدخل إلى أمن الوقاية، حيث تُعالج البيئة المُنتجة للتهديد قبل تحوله إلى خطر عملياتي،
هذا التحول يعكس ما يمكن تسميته بـعقلنة المجال الأمني، أي إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع في إطار من الثقة المتبادلة، فالأمن في الحالة الموريتانية ليس جهازاً مُنفصلاً عن المجتمع، بل هو إمتداد له، يستند إلى التعاون الاستخباراتي المحلي، وإلى تعزيز الوعي الديني الوسطي، وإلى الاستثمار في الشباب والمناطق الحدودية.
على المستوى العسكري، ترتكز المقاربة الأمنية الموريتانية على مفهوم الردع الإستباقي، حيث تم تعزيز الجاهزية العملياتية، وتطوير القدرات الاستخباراتية، وتكثيف التنسيق بين مختلف الأسلاك الأمنية والعسكرية، هذا التكامل المؤسسي خلق شبكة حماية متعددة الطبقات، قادرة على التعامل مع التهديدات غير المتكافئة التي تميز فضاء الساحل.
إن إعادة إنتشار الوحدات العسكرية في المناطق الحدودية، والسيطرة على خطوط العبور، وتحييد شبكات التهريب، تمثل تطبيقاً عملياً لمفهوم السيادة الفاعلة ، حيث لا تكتفي الدولة بإعلان سيادتها، بل تمارسها ميدانياً عبر حضور أمني منظم ومدروس.
لا يمكن فصل نجاح هذه المقاربة عن الرؤية الاستراتيجية للقيادة السياسية، فقد أظهرت القيادة الحكيمة لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قُدرة عالية على قراءة التحولات الجيوسياسية في الساحل، واعتمدت مقاربة متوازنة تجمع بين الحزم الأمني وترسيخ دولة القانون.
إن خبرة الرئيس غزواني العسكرية والأمنية شكلت رصيداً استراتيجياً في إدارة المخاطر، حيث تم الإنتقال من منطق الأزمات إلى منطق التخطيط بعيد المدى، كما أن دعمه المستمر لتحديث المؤسسة العسكرية والأمنية، وتطوير تكوينها وتجهيزها، عزز من فعاليتها ومن قدرتها على التكيف مع طبيعة التهديدات المعاصرة.
في البعد السوسيولوجي، تمثل المؤسسة العسكرية الموريتانية فضاءً للاندماج الوطني، تتجسد فيه قيم الانضباط والولاء للدولة الجامعة، وقد أثبت قادتها، عبر الأداء المهني والالتزام بالعقيدة الجمهورية، أن الأمن ليس فقط مهمة ميدانية، بل مسؤولية وطنية كبرى.
إن الإشادة التي تحظى بها التجربة الموريتانية في المحافل الدولية، ومنها مؤتمر ميونخ، تعكس مكانة المؤسسة العسكرية والأمنية بوصفها ركيزة للاستقرار، ونموذجاً في إدارة التهديدات ضمن بيئة إقليمية مضطربة.
و من أهم ما يميز المقاربة الموريتانية هو الربط الجدلي بين الأمن والتنمية، فالاستقرار لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بإعادة توزيع فرص العيش الكريم، وتعزيز حضور الدولة في الفضاءات الطرفية، وهنا يتجلى مفهوم الأمن الإنساني بوصفه مكملاً للأمن السيادي، حيث يصبح المواطن محور السياسات، لا مجرد موضوع للحماية.
إن عرض وزير الدفاع للمقاربة الأمنية الموريتانية في مؤتمر ميونخ للأمن لم يكن مجرد تقديم تجربة وطنية، بل إعلان عن نموذج متكامل في إدارة التهديدات الإرهابية، يجمع بين الردع العسكري، والتحصين المجتمعي، والرؤية السياسية الاستراتيجية،
وبفضل القيادة الرشيدة لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وبفضل كفاءة قادة المؤسسة العسكرية والأمنية، إستطاعت موريتانيا أن ترسخ معادلة دقيقة: أمن إستباقي بلا تهور، وحزم جمهوري بلا إفراط، وتنمية داعمة للاستقرار، وهو ما يجعل من التجربة الموريتانية اليوم مرجعاً إقليمياً في هندسة الأمن، وصوتاً وازناً في النقاش الدولي حول مستقبل الاستقرار في فضاء الساحل…




