تكريس المواطنة في قانون الجنسية الموريتاني على ضوء التعديلات الأخيرة/ الدكتور المصطفى سيد أحمد البَحْ

مقـــــــــــــدمة:
عرفت موريتانيا من الناحية السياسية عدة تجارب دستورية منذ أول دستور تعددي 1961 رغم تعدد التعديلات والانقلابات التي أثرت على الحياة السياسية ومجمل الحقوق الوطنية التي يُعترف بها للمواطن في ظل دولة الحق والقانون
ولئن كانت المراجعات والاصلاحات القانونية التي تمخضت عن التعددية السياسية التي أسس لها دستور 20 يوليو 1991 طالت مجالات سياسية واقتصادية وحتى ثقافية كترقية اللغات الوطنية ودسترتها وتكريس الحريات والحقوق السياسية والمدنية .. إلا أن أساس المواطنة وسببها وهو الجنسية لم يحظ بإصلاحات منذ سن أول قانون للجنسية في موريتانيا وهو القانون رقم 61-112 الصادر بتاريخ 12 يونيو 1961 المعدل، حيث تراوحت المقاربات فيه بين منع تعدد الجنسية بالمطلق في بداية الدولة لحساسية المرحلة وأهمية ترسيم الانتماء الوطني لدولة فتية في إقليم عابر للدول مرورا بالسماح بتعدد الجنسية ولكن بموجب مرسوم، إلى أن تم في التعديلات الأخيرة بموجب القانون 2021 – 016 الصادر بتاريخ 6 أغسطس 2021 يعدل بعض أحكام القانون رقم 61-112 الصادر بتاريخ 12 يونيو 1961 المعدل، المتضمن مدونة الجنسية الموريتانية، تكريس مقاربة قانونية جديدة تكرس لكل مواطن حقوقه الاساسية المتعلقة بالمواطنة الموريتانية دونما مساس بها حتى ولو اكتسب جنسية أخرى طبقا للنص الجديد للمادة 31 جديدة من مدونة الجنسية الموريتانية.
وهي مقاربة فيما يبدو أملتها ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية تراكمت خلال العقود الماضية بعد أن هاجر كثير من الشباب والأسر والكفاءات الموريتانية الوطن إلى مختلف القارات وخاصة أوربا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرهما، وبالتالي أسفرت هذه الهجرة التي كانت لأسباب اقتصادية للبحث عن العمل والدراسة ، عن قطيعة إدارية وقانونية بفعل فقد الجنسية وتقادم الحالة المدنية للمهاجرين مما جعل طلبات الاحتفاظ بالجنسية لا بل استعادتها وإعادة الادماج من آلاف المواطنين تتراكم لدى القطاعات المعنية في الدولة مشكلة ضغطا سياسيا واجتماعيا متناميا.
بل تفاقمت مآسي المواطنين جراء الزامهم لدى نقاط العبور بتآشير دخول وطنهم الأم، هم وعائلاتهم وأبناؤهم وما ترتب عن ذلك من رسوم مادية وحزازات معنوية أثقلت كاهل المواطن وقيدت بعض حقوقه التي يكفلها الدستور ، مما جعلنا نتناول هذه الاشكالية من خلال التساؤل أولا عن:
حقوق المواطن باعتبار جنسيته بين الأصالة والتقييد؛
أثر التعديل الأخير لمدونة الجنسية في تمتع مزدوجها بحقوق المواطنة.
أولا: حقوق المواطن باعتبار جنسيته بين الأصالة والتقييد
يمكن في البداية البناء على ما كرسه دستور 20 يوليو 1991 المراجع سنوات 2006 و2012 و2017 وخاصة في مادته العاشرة من حقوق وامتيازات للمواطن حين عبر عن ضمان الدولة لكافة المواطنين الحريات العمومية والفردية وعلى وجه الخصوص:
• حرية التنقل والإقامة في جميع أجزاء تراب الجمهورية؛
• حرية دخول التراب الوطني وحرية الخروج منه؛
• حرية الرأي وحرية التفكير؛
• حرية التعبير؛
• حرية الاجتماع؛
• حرية إنشاء الجمعيات وحرية الانخراط في أية منظمة سياسية ونقابية يختارونها؛
• حرية التجارة والصناعة؛
• حرية الإبداع الفكري والفني والعلمي…
ورغم أن هذه المادة تضمنت في نهايتها فقرة تنص على أن الحرية لا تقيد إلا بقانون قد يستند لها المشرع في منعه بعض الحقوق او تقييدها إلا أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تشبثت به ديباجة الدستور والتزمت به الدول في مبادئه العامة، أقر في مادته السادسة أحقية كل مواطن أيا كان في جنسية تضمن له حقوقا طبيعية أينما وجد، ليتمتع بانتمائه لدولة معينة إلى جانب حقه في حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدودها وخارجها ، بل تنص المادة 15 منه صراحة على أنه لكل فرد التمتع بجنسية ما ، ولا يجوز حرمانه منها تعسفا أو منعه من تغييرها (حافظ بكور، تعدد الجنسيات في القانون المغربي والمقارن الطبعة الاولى 2018 مطبعة الامنية الرباط المغرب / 2018 ص 3 و4 .)
وإذا ما رجعنا في هذا الاشكال للمعنى القانوني للجنسية نجد أن تعريفها الفقهي يتردد بين اعتبارها رابطة سياسية وروحية من ناحية أو هي رابطة قانونية وتنظيمية من ناحية أخرى .
فعلى الاعتبار الأول يكتسب الفرد حقوق المواطنة بمجرد انتمائه لدولته الأم على أساس أن الجنسية علاقة سياسية تربط الفرد بدولة معينة تسيطر بموجبها على جميع افرادها سياسيا وهي أيضا بهذا المعنى علاقة روحية في نفس الوقت فبقاؤها ليس مرتبطا ببقاء الفرد على إقليم الدولة فلا تنفصم عراها بتغيير المكان بل تصاحب الفرد أين ما ذهب.
ومن هذا المعنى تتعزز هذه العلاقة التي ستصبح أيضا اجتماعية قوامها الاشتراك في الفكر والمشاعر والمصالح والتقاليد والاماني، حتى ولو كان الفرد يعتبر من الناحية القانونية مرتبطا بأكثر من دولة، وعلى هذا الأساس يمكن القول أن حرمان المواطن من حقوقه المكتسبة بمجرد العيش أو الاقامة في دولة أخرى يعتبر تعسفا حتى ولو اضطر لحمل جنسية دولة الاقامة لأسباب اقتصادية ومهنية لا تخرم أصل انتمائه لوطنه الأم . خاصة أن التجريد من الجنسية كما يرى الدكتور عكاشة عبد العالي يحمل معنى الجزاء والعقوبة فنزع الجنسية بصفة عامة حسب ما يرى هو تجريد للشخص من جنسيته جبرًا عنه على سبيل الجزاء، وعندئذ تزول الجنسية عن الفرد لا بإرادته، وإنما بمقتضى قرار من الدولة ورغمًا عنه، والدولة حين تجرد الفرد من جنسيته إنما تقصد بذلك إنزال العقاب به لسلوك أتاه أو لفعل اقترفه تعتبره ماسًّا بمصلحتها أو دالًّا على عدم ولائه لها أو كاشفًا عن عدم أهليته للتمتع بجنسيتها، وعلى ذلك يبدو أن التجريد من الجنسية يحمل بين طياته معنى العقاب. (حسن عبد الرحيم السيد، ضمانات “مبدأ عدم تجريد المواطن من جنسيته تعسفًا في قوانين دول مجلس التعاون الخليجي”، مقال منشور في المجلة الدولية للقانون بتاريخ 30 يوليو 2016 ص 7).
وغني عن القول في هذا المعرض أن حصول المواطن الموريتاني مثلا على جواز سفر أو جنسية دولة هاجر إليها للعمل أو الدراسة مثلا ليس فيه ما يمس من مصلحة بلده الأم إن لم يكن ذلك مصلحة في حد ذاته وعائد خير على وطنه وأهله.
أما الاعتبار القانوني والنظامي الذي يبرر تقييد الجنسية بقانون فيرى أنها رابطة قانونية بين دولة ما وشخص معين يؤسسها القانون ويحدد معالمها ونطاقها والاثار المترتبة عليها وتنشؤ بموجبها حقوقا وواجبات متبادلة ، حيث يجب على الدولة أن تحمي رعاياها وعلى الرعايا أن يلتزموا لها بواجب الولاء والامتثال لقوانينها وما يدخل في أمور سيادتها مما يختص بيانه القانون العام لكل دولة.
وهذا الاعتبار ربما منح الدولة الحق في تقييد الجنسية بشروط، وبالتالي منع الفرد من بعض الحقوق التي اكتسبها في وطنه الأم لما يصبح من مواطني دولة أخرى يلتزم بنُظُمها وقوانينها.
وقد اعتمد هذا الاتجاه في المقاربة الموريتانية الأولى بداية الدولة الوطنية بعد الاستقلال لاعتبارات تاريخية ترتبط بالمواقف الاقليمية والدولية آنذاك ، لما كانت الدولة الموريتانية حديثة النشأ ومن شأن ازدواجية جنسيتها أن تؤدي إلى تعدد في الولاءات وهو ما من شأنه أن يشكل في تلك الفترة تهديدا لوحدة المجتمع وتماسكه ،وهو ما كانت تنص عليه المادة 30 من قانون الجنسية قبل التعديل. (د. الحسين ولد الشيخ كبادي، قراءة قانونية في التعديلات الجديدة على مدونة الجنسية الموريتانية ، المجلة الموريتانية للقانون والاقتصاد العدد 19 السنة 2012 ، ص 158).
وبغض النظر عن أساس التقييد أو تعريف الجنسية وفق أي من الاعتبارات السابقة فقد وُفقت المادة 30 جديدة من مدونة الجنسية الموريتانية في التعديل الأخير لما حصرت فقد الجنسية الموريتانية إثر اكتساب جنسية أجنبية في حالتين اثنتين هما:
– الموريتاني البالغ المسموح له بالتخلي عن الجنسية بموجب مرسوم؛
– أو الذي يلحق الضرر بمصالح أو سمعة موريتانيا وأدين بسبب ذلك بقرار قضائي نهائي من المحاكم الموريتانية (قانون رقم 2021- 016 الصادر بتاريخ 06 أغسطس 2021 يعدل بعض أحكام القانون رقم 61-112 الصادر بتاريخ 12 يونيو 1961 المعدل، المتضمن مدونة الجنسية الموريتانية، المنشور بالجريدة الرسمية للجمهورية الاسلامية الموريتانية. العدد 1492 بتاريخ 30 أغسطس 2021، ص 418).
ثانيا: أثر التعديل الأخير لمدونة الجنسية في تمتع مزدوجها بحقوق المواطنة
بعد أن عددت المادة 31 جديدة من التعديل الأخير لمدونة الجنسية الموريتانية الوظائف التي تتعارض الجنسية المزدوجة معها، أكدت مع ذلك بقاء ” المواطن الموريتاني الذي اكتسب جنسية أخرى متمتعا بالحقوق المتعلقة بالمواطنة” وفق نص الفقرة الثانية والأخيرة من المادة نفسها، وهو ما يعني فتح المجال واسعا أمام متعددي الجنسية بالحصول على مجمل الحقوق والمصالح في البلد والاحتفاظ بحق التمتع بها، بعد أن كان المواطن يفقدها قانونيا بمجرد حصوله على جنسية بلد آخر وذلك بشكل تقائي مالم يُحتفظ له رسميا بها بموجب مرسوم .
ويأتي هذا التعديل الجديد الذي طال مادتين مهمتين في مدونة الجنسية الموريتانية هما المادتان (30و31) ليكرس حقوقا ومصالح كثيرة للمواطن تتعلق بحق المواطنة الأصلي من ناحية وتواكب التطور المعاصر لفقه الدولة ونظرتها لمواطنيها الأصليين الذين أضرتهم ظروف الحياة للهجرة والتجنس في الخارج ، ووفاء من فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني برفع القيود الثقيلة التي ظلت تثقل كاهل المواطن الموريتاني المهاجر في الخارج هو وأسرته عشرات السنين .
وهكذا جمع القانون الموريتاني في مقاربته التشريعية الجديدة هذه بين الأثار الايجابية التي يحصل عليها المواطن متعدد الجنسية أو بالأحرى يحتفظ بها وتلك التي تجنيها الدولة من سفر واغتراب مواطنيها باعتبارهم سفراء تنمية وثقافة تحسُن الاستفادة منهم .
ويمكن تقسيم هذه الأثار الايجابية التي ستترتب عن التعديل الأخير للجنسية بالنسبة للسماح بتعددها إلى آثار إيجابية لصالح المواطن وأخرى لصالح الدولة
1) الآثار الايجابية لصالح المواطن:
يتماشى هذا التعديل الجديد مع روح المادة 12 من اتفاقية لاهاي بتاريخ 12 مايو 1930 التي تؤكد حق الدولة في اعتبار الشخص متعدد الجنسية من رعايا ومعاملته على هذا الاساس ويتيح بالتالي للمواطن التمتع بحقوق المواطنة التي يكفلها القانون الوطني وبناء على ذلك إذا كان الشخص يتمتع بجنسية موريتانية مثلا إلى جانب تمتعه بجنسية دولة أخرى فسيعامل في موريتانيا على أنه من مواطنيها يحق له التمتع بكافة الحقوق المقررة للمواطنين الموريتانيين أيا ما كان نوعها أي سواء كان مصدرها القانون العام او القانون الخاص ونفس الامر ينطبق بالنسبة للدولة الاخرى حيث يتمتع هناك كذلك بالحقوق المقررة في هذا الصدد للوطنيين.
ومن هذا المنطلق ستتحول ظاهرة تعدد الجنسيات للمواطنين الموريتانيين إلى تعدد في مزايا مكفولة يختار منها المواطن ما يناسب مركزه القانوني في كل من الدول التي يحمل جنسيتها كالحقوق السياسية والامتيازات الاقتصادية والرعاية الاجتماعية.
ولكننا لا يمكننا أن نمثل لهذه الاثار الايجابية تمثيلا لا حصرا، دون أن نذكر تلك المناصب السيادية القليلة المستثناة حصريا بمنع شغلها من المواطن الموريتاني متعدد الجنسية ، وهي: المشار لها في المادة 31 جديدة من مدونة الجنسية الموريتانية وفق التعديلات الأخيرة 2021 ، ويتعلق الامر بوظائف رئيس الجمهورية، ورئيس الجمعية الوطنية ، ورؤساء المؤسسات الدستورية، والوزير الأول، وأعضاء الحكومة في القطاعات السياسية ،وقادة الاجهزة العسكرية والأمنية. وهو استثناء مفهوم يوازيه سهولة التخلي عن الجنسية الاجنبية نهائيا للمواطن الأصلي عن طريق مرسوم.
ولذلك تبقى هناك حقوق كثيرة ومتنوعة تمثل بعض هذه الاثار الايجابية لتمتع المواطن متعدد الجنسية بها مثل :
– الاستفادة من التسهيلات في العلاقات الادارية والقانونية؛
– سهولة ويسر التنقل بين دول العالم بالنسبة لمتعدد الجنسية مع إمكانية حصوله على جوازات السفر للدول الحامل لجنسيتها واستعماله للجواز الذي يحقق له الفائدة؛
– امكانية تسخير المواطن الموريتاني لهذا التعدد المسموح به لمصلحته في المجال القضائي وذلك برفع دعاوي قضائية في البلد الذي يمنح امتيازا قضائيا لحامل جنسيتها وفي هذا الإطار يمكنه الاستفادة من المعاهدات التي تعقدها كل من الدول التي يحمل جنسيتها مع الدول الاخرى بشأن معاملة وطنييها في الخارج فيستطيع أن يتمسك بجنسية الدولة المتعاقدة التي يحمل جنسيتها ؛
– إمكانية الحصول على الحماية الدبلوماسية من الدولة الأم موريتانيا التي يحمل جنسيتها والظفر برعاية مصالحها الادارية والاقتصادية في الخارج بواسطة السفارات والقنصليات الموريتانية المعتمدة في دول المهجر والاقامة.
2) الآثار الايجابية لصالح الدولة:
يشكل السماح بازدواج الجنسية بالحدود والاثار السابقة التي ذكرنا اعترافا ضمنيا من الدولة ولو أنه جاء متأخرا بمزايا اقتصادية وعلمية وثقافية يمكن للمواطنين أن يعودوا فيها بالفائدة على الوطن، وهو ما سيمكن الدولة من تعزيز العلاقة بينها وبين مواطنينا المغتربين، بما يسمح بتشجيع التعاون التقني وينمي الانتاج الوطني، وذلك لأن كثيرا من المواطنين في الخارج لهم دور هام في دعم الاقتصاد الوطني عن طريق التحويلات المالية لأسرهم في داخل موريتانيا، فضلا عن نشر الثقافة الوطنية في دول مهجرهم عن كطريق تعريف تلك الدول على حضارة وثقافة موريتانيا وثقافتنا الشنقيطية العربية والاسلامية ذائعة الصيت، وهي فخر موريتانيا الذي تعتز به، مما يحقق في النهاية ازدهارا ثقافيا وحضاريا ينعكس إيجابا على سمعة ودور مورياتنا وتشجيع السياحية في ربوعها .
ويلاحظ بشكل عام أن بعض الدول تستفيد في هذه الحالات من مواطنيها ممن يحملون جنسية دول أخرى في هذه النواحي السياسية والعسكرية وفي كسب النفوذ في الدول التي هاجروا إليها.